المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٠
(الباب الخامس) (في الإمامة)
أنّ ما ذكرناه في بيان الاضطرار إلى النبيّ فهو بعينه جار في الاضطرار إلى وصيّه
و خليفته من بعده إلى ظهور نبيّ آخر لأنّ الاحتياج إليهم غير مختصّ بوقت دون آخر، و في حالة دون أخرى، و لا يكفي بقاء الكتب و الشرائع من دون قيّم لها، عالم بها، ألا ترى إلى الفرق المختلفة كيف يستندون في مذاهبهم كلّها إلى كتاب اللّه لجهلهم بمعانيه و زيغ قلوبهم و تشتّت أ هوائهم، فظهر أنّه لا بدّ لكلّ نبيّ مرسل بكتاب من عند اللّه عزّ و جلّ أن ينصب وصيّا يودع فيه أسرار نبوّته و أسرار الكتاب المنزل عليه و يكشف له مبهمه ليكون ذلك الوصيّ هو حجّة ذلك النبيّ على قومه، و لئلاّ يتصرّف الامّة في ذلك الكتاب بآرائها و عقولها فتختلف و تزيغ قلوبها كما أخبر اللّه عزّ و جلّ به فقال:
«هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» [١] فالرسول و الوصيّ و الكتاب هو الحجّة على الامّة ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة، و هذا كما فعل آدم بشيث، و نوح بسام، و إبراهيم بإسحاق، و موسى بيوشع، و عيسى بشمعون، و نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعليّ عليه السّلام.
و أيضا وجود الإمام لطف من اللّه سبحانه بعبيده إذ بوجوده يجتمع شملهم، و يتّصل حبلهم، و ينتصف الضعيف من القويّ، و الفقير من الغنيّ، و يرتدع الجاهل، و يتيقّظ الغافل، قال اللّه تعالى: «وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ» [٢] و قال عزّ و جلّ: «وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» [٣] و قال: «وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ
[١] آل عمران: ٦.
[٢] الفاطر: ٢٣.
[٣] الرعد: ٧.