المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢٨
أنّ من شاهد أحوال نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أصغى إلى سماع أخباره الدّالة على أخلاقه و أفعاله و أحواله و آدابه و عاداته و سجاياه و سياسته لأصناف الخلق و هدايته إلى ضبطهم و التألّف بينهم و قوده إيّاهم إلى طاعته مع ما يحكى من عجائب أجوبته في مضايق الأسولة و بدائع تدبيراته في مصالح الخلق و محاسن إشاراته في تفصيل مسائل الشرع الّذي يعجز الفقهاء و الفضلاء عن إدراك دقائقها في طول أعمارهم لم يبق له ريب و لا شكّ في أنّ ذلك لم يكن مكتسبا بحيلة تقوم بها القوّة البشريّة بل لا يتصوّر ذلك إلّا بالاستمداد من تأييد سماويّ و قوّة إلهيّة و أنّ ذلك كلّه لا يتصوّر لكذّاب و لا لملبّس، بل كانت شمائله و أحواله شواهد قاطعة بصدقه حتّى أنّ العرب القحّ كان يراه فيقول:
و اللّه ما هذا وجه كذّاب فكان يشهد له بالصدق بمجرّد شمائله فكيف بمن يشاهد أخلاقه و يمارس في جميع مصادره و موارده، و قد آتاه اللّه جميع ذلك و هو لم يمارس العلم، و لم يطالع الكتب، و لم يسافر قطّ في طلب العلم، و لم يزل بين أظهر الجهّال من الأعراب يتيما ضعيفا مستضعفا فمن أين حصل له ما حصل من محاسن الأخلاق و الآداب و معرفة مصالح الفقه مثلا فقطّ دون غيره من العلوم فضلا عن معرفته باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و غير ذلك من خواصّ النبوّة؟ لو لا صريح الوحي و من أين لبشر الاستقلال لذلك، فلو لم يكن له إلّا هذه الأمور الظاهرة لكان فيه كفاية، و قد ظهر من معجزاته و آياته ما لا يستريب فيه محصّل كانشقاق القمر، و نبوع الماء من بين أصابعه، و إطعام الكثير من الطعام القليل، و غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة، و منها القرآن العزيز الباقي إلى آخر الدهر الّذي تحدّى به بلغاء الخلق و فصحاء العرب، و كان ينادي بين أظهرهم أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة مثله إن شكّوا، و قال لهم: «لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» [١] و قال ذلك تعجيزاً لهم، فعجزوا عن ذلك و صرفوا عنه حتّى عرضوا أنفسهم للقتل و نساءهم و ذراريهم للسبي و ما استطاعوا أن يعارضوا و لا أن يقدحوا في جزالته و حسنه إلّا أن قالوا: «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ» و «سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ» و نحو ذلك.
[١] الاسراء: ٨٨.