المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١١
(فصل) و ربّما يقال: إنّ التصديق بوجوده تعالى أمر فطريّ
و لذا ترى الناس عند الوقوع في الأهوال و صعاب الأحوال يتوكّلون بحسب الجبلّة على اللّه و يتوجّهون توجّها غريزيّا إلى مسبّب الأسباب و مسهّل الأمور الصعاب، و إن لم يتفطّنوا لذلك و يشهد لهذا قول اللّه عزّ و جلّ: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» [١] «قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ» [٢].
و في تفسير مولانا العسكريّ عليه السّلام «أنّه سئل مولانا الصادق عليه السّلام عن اللّه فقال للسائل: يا عبد اللّه هل ركبت سفينة قطّ؟ قال: بلى، قال: فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك و لا سباحة تغنيك؟ قال: بلى، قال: فهل تعلّق قلبك هناك أنّ شيئا من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطك؟ قال: بلى، قال الصادق عليه السّلام: فذلك الشيء هو اللّه القادر على الإنجاء حين لا منجي و على الإغاثة حين لا مغيث» [٣].
قيل: و في قوله سبحانه: «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ» [٤] إشارة لطيفة إلى ذلك فإنّه سبحانه استفهم منهم الإقرار بربوبيّته لا بوجوده تنبيها على أنّهم كانوا مقرّين بوجوده في بداية عقولهم و فطرة نفوسهم، و لهذا أيضا بعث الأنبياء كلّهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا: لا إله إلّا اللّه و ما أمروا أن يقولوا: لنا إله، فإنّ ذلك كانت مجبولة في فطرة عقولهم و مبدأ نشوءهم.
و روى الشيخ الصدوق- رحمه اللّه- بإسناده الصحيح «عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: «حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ» [٥] و عن الحنيفيّة،
[١] لقمان: ٢٥.
[٢] الانعام: ٤٠ و ٤١.
[٣] و رواه الصدوق- رحمه اللّه- أيضا في المعاني ص ٤.
[٤] الأعراف: ١٧٢.
[٥] الحج: ٣١. و الخبر في التوحيد ص ٣٤٣. و صدره في المحاسن ص ٢٤١.