المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦١
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» [١]، و أمّا الخشوع فمن قوله تعالى: «خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا» [٢]، و أمّا التواضع فمن قوله تعالى: «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» [٣]، و أمّا حسن الخلق فمن قوله تعالى: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ» [٤] و أمّا الزّهد فمن قوله تعالى: «وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ» [٥] و لمّا تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قوله تعالى: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ» [٦] فقيل: «ما هذا الشرح يا رسول اللّه؟ فقال: إنّ النور إذا قذف في القلب انشرح له الصدر و انفسح، قيل: فهل لذلك من علامة؟ قال: نعم التجافي عن دار الغرور، و الإنابة إلى دار الخلود، و الاستعداد للموت قبل نزوله» [٧].
و منها أن يكون أكثر بحثه عن علم الأعمال و ما يفسدها
و يشوّش القلوب و يهيّج الوساوس و يثير الشرّ، فإنّ أصل الدين التوقّي من الشرّ و لذلك قيل:
عرفت الشرّ لا للشرّ لكن لتوقّيه
و من لا يعرف الشرّ من الناس يقع فيه
و لأنّ الأعمال الفعليّة قريبة و أقصاها المواظبة على ذكر اللّه تعالى بالقلب و اللّسان و إنّما الشأن في معرفة ما يفسدها و يشوّشها و هذا ممّا تكثر شعبه و يطول تفريعه و كلّ ذلك ممّا يغلب مسيس الحاجة إليه و يعمّ البلوي به في سلوك طريق الآخرة و أمّا علماء الدنيا فإنّهم يتتبّعون غرائب التفريع في الحكومات و الأقضية و يتعبون في وضع صور تنقضي الدّهور و لا تقع و إن وقعت فإنّما تقع لغيرهم لا لهم، و إذا وقعت كان في القائمين لها كثرة و يتركون ما يلازمهم و يتكرّر عليهم آناء اللّيل و النهار في خواطرهم و وساوسهم و أعمالهم، و ما أبعد عن السعادة من باع مهمّ نفسه اللّازم بمهمّ غيره النادر إيثارا للقبول و التقرّب من الخلق على القرب من اللّه تعالى، و شرها في أن يسمّيه البطّالون من أبناء الدنيا فاضلا محقّقا عالما بالدقائق، و جزاؤه من اللّه تعالى أن لا ينتفع في الدنيا بقبول الخلق بل يتكدّر عليه صفوه بنوائب الزمان ثمّ يرد يوم القيامة مفلسا
[١] فاطر: ٢٨.
[٢] آل عمران: ١٩٩.
[٣] الشعراء: ٢١٥.
[٤] آل عمران: ١٥٩.
[٥] القصص: ٨٠.
[٦] الانعام: ١٢٥.
[٧] الدر المنثور ج ٣ ص ٤٤.