المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤٨
أجرؤكم على اللّه عزّ و جلّ، أو لا يعلم المفتي أنّه هو الّذي يدخل بين اللّه تعالى و بين عباده و هو الجائز[١]بين الجنّة و النّار».
و قال سفيان بن عيينة: كيف ينتفع بعلمي غيري و أنا قد حرمت نفسي نفعها، و لا تحلّ الفتيا في الحلال و الحرام بين الخلق إلّا لمن كان أتبع الخلق من أهل زمانه و ناحيته و بلده بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم [و عرف ما يصلح من فتياه] قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ذلك لربّما و لعلّ و عسى لأنّ الفتيا عظيمة، قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام لقاض: هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: فهل أشرفت على مراد اللّه عزّ و جلّ في أمثال القرآن؟ قال: لا، قال: إذا هلّكت و أهلكت»[٢]و المفتي يحتاج إلى معرفة معاني القرآن و حقائق السنن و بواطن الإشارات [٣]و الآداب و الإجماع و الاختلاف و الاطّلاع على أصول ما أجمعوا عليه و ما اختلفوا فيه، ثمّ حسن الاختيار، ثمّ العمل الصالح، ثمّ الحكمة، ثمّ التقوى، ثمّ حينئذ إن قدر».
«و منها[٤]أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن و مراقبة القلب
و معرفة طريق الآخرة و سلوكها و صدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة و المراقبة فإنّ المجاهدة تفضي إلى المشاهدة في دقائق علم القلوب و تنفجر بها ينابيع الحكمة من القلب أمّا الكتب و التعلّم فلا تفي بذلك بل الحكمة الخارجة عن الحصر و العدّ، إنّما تنفتح بالمجاهدة و المراقبة و مباشرة الأعمال الظاهرة و الباطنة، و الجلوس مع اللّه سبحانه في الخلوة مع حضور القلب بصفاء الفكر و الانقطاع إلى اللّه عزّ و جلّ عمّا سواه، فتلك مفاتيح الإلهام و منبع الكشف فكم من متعلّم طال تعلّمه و لم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة و كم من مقتصر على المهمّ في التعلّم و متوفّر على العمل و مراقبة القلب فتح اللّه عز و جلّ له من لطائف الحكم ما يحار فيه عقول ذوي الألباب و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم [١]» و في بعض الكتب السالفة: «يا بني إسرائيل
[١] في بعض النسخ [الحائر].
[٢] بتشديد اللام في «هلكت» يقال لمن ارتكب أمرا عظيما: «هلكت و أهلكت» (البستان).
[٣] في بعض النسخ [مواطن الإشارات].
[٤] من كلام أبي حامد.
[١] أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس (المغني).