المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤١
(١) أقول: و ممّا يشهد لذلك ما رواه السيّد الرضيّ- رحمه اللّه- في كتاب نهج البلاغة عن مولينا أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال في كلام له طويل[١]: «من عظمت الدنيا في عينه و كبر موقعها من قلبه آثرها على اللّه، فانقطع إليها، و صار عبدا لها. و لقد كان في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كاف لك في الاسوة، و دليل لك على ذمّ الدنيا و عيبها، و كثرة مخازيها[٢]و مساويها، إذ قبضت عنه أطرافها، و وطّئت لغيره أكنافها، و فطم عن رضاعها، و زوي عن زخارفها[٣]و إن شئت ثنّيت بموسى كليم اللّه عليه السّلام إذ يقول: «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» و اللّه ما سأله إلّا خبزا يأكله لأنّه كان يأكل بقلة الأرض، و لقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهذا له و تشذّب لحمه،[٤]و إن شئت ثلّثت بداود صاحب المزامير و قارئ أهل الجنّة فلقد كان يعمل سفائف الخوص[٥]بيده و يقول لجلسائه: أيّكم يكفيني بيعها و يأكل قرص الشعير من ثمنها، و إن شئت قلت في عيسى ابن مريم عليهما السّلام فلقد كان يتوسّد الحجر، و يلبس الخشن، و يأكل الجشب، و كان إدامه الجوع،[٦]و سراجه باللّيل القمر، و ظلاله في الشتاء مشارق الأرض و مغاربها[٧]، و فاكهته و ريحانه ما تنبت الأرض للبهائم، و لم تكن له زوجة تفتنه، و لا ولد يحزنه، و لا مال يلفته، و لا طمع يذلّه، دابّته رجلاه، و خادمه يداه، فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى، و عزاء لمن تعزّى، و أحبّ العباد إلى اللّه المتأسّي بنبيّه،
[١] خطبة ١٥٨ من النهج أولها امره قضاء و حكمة.
[٢] جمع مخزاة و هي ما يستحيي من ذكره لقبحه، و المساوى: العيوب.
[٣] قبض الأطراف كناية عن المنع، و وطئت- بالتشديد- اى هيأت. و أكناف الشيء جوانبه، و زوي اى قبض متاعها و زينتها.
[٤] شف الثوب اى رق، و الصفاق- ككتاب-: الجلد الاسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، و قيل: جلد البطن كله. و التشذب: التفرق و انهضام اللحم.
[٥] السفائف- جمع سفيفة- وصف من سف الخوص إذا نسجه اى منسوجات الخوص.
[٦] اى لا يأكل من الخبز ما يرفع الجوع.
[٧] ظلاله اى مأواه و مكمنه من البرد.