المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٨
الوداع استحقّ التعرّض للملك و السلطنة و له في كلّ مقام منازل من أوّل إعداد الأسباب إلى آخره، و من أوّل سلوك البوادي إلى آخره، و من أوّل أركان الحجّ إلى آخرها، و ليس قرب من ابتدأ بأركان الحجّ من السعادة كقرب من هو بعد في إعداد الزاد و الراحلة و لا كقرب من ابتدأ بالسلوك بل هو أقرب منه.
فالعلوم أيضا ثلاثة أقسام: قسم يجري مجرى إعداد الزاد و الراحلة و شراء الناقة و هو علم الطبّ و الفقه و ما يتعلّق بمصالح البدن في الدنيا، و قسم يجري مجرى سلوك البوادي و قطع العقبات و هو تطهير الباطن عن كدورات الصفات بطلوع تلك العقبات الشامخة الّتي عجز عنها الأوّلون و الآخرون إلّا الموفّقين فهذا سلوك للطريق و تحصيل علمه كتحصيل علم جهات الطريق و منازله، و كما لا يغني علم المنازل و طرق البوادي دون سلوكها فكذلك لا يغني علم تهذيب الأخلاق دون مباشرة التهذيب، لكنّ المباشرة دون العلم غير ممكن، و قسم ثالث يجري مجرى نفس الحجّ و أركانه و هو العلم باللّه عزّ و جلّ و صفاته و أفعاله و ملائكته و جميع ما ذكرناه في تراجم علم المكاشفة و هاهنا النجاة و الفوز بالسعادة، فالنجاة حاصلة لكلّ سالك للطريق إذا كان غرضه المقصد و هو السلامة و أمّا الفوز بالسعادة فلا يناله إلّا العارفون فهم المقرّبون و المنعّمون في جوار اللّه عزّ و جلّ بالرّوح و الريحان و جنّة نعيم، و أمّا الممنوعون دون ذروة الكمال فلهم النجاة و السلامة كما قال اللّه تعالى: «فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ. وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ. فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ» [١] و كلّ من لم يتوجّه إلى المقصد و لم ينتهض له أو انتهض إلى جهته لا على قصد الامتثال و العبوديّة بل لغرض عاجل فهو من أصحاب الشمال و من الضالّين فله «فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ. وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ»[١].
(بيان وظائف المرشد المعلم)
اعلم أنّ للإنسان في علمه أربعة أحوال كحاله في اقتناء الأموال إذ لصاحب المال
[١] الواقعة: ٩٢ و ٩٣ و فيها «فنزل من حميم».
[١] الواقعة: ٩٠ و ٩١.