المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٧
الأجر إذا كان قصده إعلاء كلمة اللّه تعالى دون حيازة الغنائم فكذلك العلماء، قال اللّه عزّ و جلّ: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ» [١] و قال عزّ و جلّ:
«هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ» [٢] و الفضيلة نسبيّة و استحقارنا للصيارفة عند قياسهم بالملوك لا يدلّ على حقارتهم إذا قيسوا بالكنّاسين و لا تظنّنّ أنّ ما نزل عن الرتبة القصوى فهو ساقط القدر، بل الرتبة العليا للأنبياء صلوات اللّه عليهم، ثمّ للأولياء، ثمّ للعلماء الراسخين، ثمّ للصالحين على تفاوت درجاتهم، و بالجملة «من يعمل مثقال ذرّة خيرا يره» و من قصد اللّه عزّ و جلّ بالعلم أيّ علم كان نفعه و رفعه لا محالة.
التاسعة أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد
كيلا يؤثر الرفيع القريب على البعيد و المهمّ على غيره و معنى المهمّ ما يهمّك و لا يهمّك إلّا شأنك في الدنيا و الآخرة و إذا لم يمكنك الجمع بين ملاذ الدنيا و نعيم الآخرة كما نطق به القرآن و شهد له من نور البصائر ما يجري مجرى العيان، فالأهمّ ما يبقى أبد الآباد و عند ذلك تصير الدنيا منزلا و البدن مركبا و الأعمال سعيا إلى المقصد و لا مقصد إلّا لقاء اللّه عزّ و جلّ ففيه النعيم كلّه و إن كان لا يعرف في هذا العالم قدره إلّا الواصلون و هم الأقلّون، و العلوم بالإضافة إلى سعادة لقاء اللّه عزّ و جلّ و النظر إلى وجهه الكريم أعني النظر الّذي طلبه الأنبياء صلوات اللّه عليهم و فهموه دون ما يسبق إلى أفهام العوام و المتكلّمين على ثلاث مراتب تفهّمها بالموازنة بمثال و هو أنّ العبد الّذي علّق عتقه و تمكينه من الملك على الحجّ و قيل له: إن حججت و تمّمت وصلت إلى الملك و العتق جميعا و إن ابتدأت بطريق الحجّ و الاستعداد له و عاقك في الطريق مانع ضروريّ فلك العتق و الخلاص من شقاء الرقّ فقطّ دون سعادة الملك، فله ثلاثة أصناف من الشغل: الأوّل تهيئة الأسباب بشراء الراحلة و خرز الراوية[١]و إعداد الزاد، الثاني السلوك و مفارقة الوطن بالتوجّه إلى الكعبة منزلا بعد منزل، و الثالث الاشتغال بأعمال الحجّ ركنا بعد ركن ثمّ بعد النزوع عن هيئة الإحرام و طواف
[١] في بعض النسخ [حرز الراوية].
[١] المجادلة: ١١.
[٢] آل عمران: ١٦٣.