المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٩
على أنّ الرغبة فيه محمودة، و لو لا حبّ الرئاسة لا ندرس العلم و لا يدلّ ذلك على أنّ طالب الرئاسة ناج بل هو من الّذين قال فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللّه عزّ و جلّ يؤيّد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم» [١]. و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللّه يؤيّد هذا الدّين بالرجل الفاجر» [٢].
فطالب الرئاسة في نفسه هالك و قد يصلح بسببه غيره إن كان يدعو إلى ترك الدنيا و ذلك فيمن كان حاله في ظاهر الأمر حال علماء السلف و لكنّه يضمر قصد إلجاء فمثاله مثال الشمع الّذي يحرق في نفسه و يستضيء به غيره فصلاح غيره في هلاكه، فأمّا إذا كان يدعو إلى طلب الدنيا فمثاله مثال النار المحرقة الّتي تأكل نفسها و غيرها، فالعلماء ثلاثة: إمّا مهلك نفسه و غيره و هم المصرّحون بطلب الدّنيا و المقبلون عليها، و إمّا مسعد نفسه و غيره و هم الداعون إلى اللّه عزّ و جلّ المعرضون عن الدّنيا ظاهرا و باطنا، و إمّا مهلك نفسه مسعد غيره و هو الّذي يدعو إلى الآخرة و قد رفض الدّنيا في ظاهره و قصده في الباطن قبول الخلق و إقامة الجاه، فانظر من أيّ الأقسام أنت و من الّذي اشتغلت بالاعتداد له و لا تظنّنّ أنّ اللّه سبحانه يقبل غير الخالص لوجهه من العلم و العمل، و سيأتيك في كتاب الرياء بل في جميع ربع المهلكات ما ينفي عنك الريبة في ذلك إن شاء اللّه تعالى».
(الباب الخامس) «في آداب المتعلّم و المعلّم
- أمّا المتعلّم فآدابه و وظائفه كثيرة و لكن ينظّم تفاريقها تسع جمل:
[الوظائف التسعة على المتعلم]
الأولى تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق و مذموم الأوصاف
إذ العلم عبادة القلب و صلاة السرّ و قربة الباطن إلى اللّه عزّ و جلّ فكما لا تصحّ الصلاة الّتي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلّا بتطهير الظاهر عن الأحداث و الأخباث فكذلك لا تصحّ عبادة الباطن و عمارة القلب بالعلم إلّا بعد طهارته عن خبائث الأخلاق و أنجاس الأوصاف
[١] الجامع الصغير باب الالف عن ابن حبان و النسائي و مسند أحمد و مسند كبير الطبراني.
[٢] أخرجه أحمد في المسند ج ٢ ص ٣٠٩ من حديث أبي هريرة.