المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٥
و منها الفرح بمساءة النّاس و الغمّ بما يسرّهم و من لا يحبّ لأخيه المسلم ما يحبّ لنفسه فهو بعيد عن أخلاق المؤمنين، و كلّ من طلب المباهاة بإظهار الفضل يسرّه لا محالة ما يسوء أقرانه و أشكاله الّذين يساومونه في الفضل و يكون التباغض بينهم كما بين الضرائر و كما أنّ إحدى الضرائر إذا رأت صاحبتها من بعيد ارتعدت فرائصها و اصفرّ لونها فكذا ترى المناظر إذا رأى مناظرا فيربدّ لونه و يضطرب عليه فكره و كأنّه شاهد شيطانا [ماردا] أو سبعا ضاريا، فأين الاستيناس و الاسترواح الّذي كان يجري بين علماء الدّين عند اللّقاء و ما نقل عنهم من المؤاخاة و التناصر و التساهم في السرّاء و الضرّاء حتّى قيل: العلم بين أهل العقل رحم متّصل، فناهيك بالشيء شرّا أن يلزمك أخلاق المنافقين و يبرئك عن أخلاق المؤمنين و المتّقين، و منها النفاق و لا يحتاج إلى ذكر الشواهد في ذمّه و هم مضطرّون إليه فإنّهم يلقون الخصوم و محبّيهم و أشياعهم و لا يجدون بدّا من التودّد باللّسان و إظهار الشوق و الاعتداد بمكانهم و أحوالهم و يعلم المخاطب و المخاطب و كلّ من يسمع ذلك منهم أنّ ذلك كذب و زور و نفاق و فجور، و أنّهم متوادّون بالألسنة متباغضون بالقلوب- نعوذ باللّه من ذلك- فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إذا تعلّم الناس العلم و تركوا العمل و تحابّوا بالالسن و تباغضوا بالقلوب و تقاطعوا في الأرحام لعنهم اللّه عند ذلك فأصمّهم و أعمى أبصارهم» [١] و قد صحّ ذلك بمشاهدة الحال.
و منها الاستكبار عن الحقّ و كراهته و الحرص على المماراة فيه حتّى أنّ أبغض شيء إلى المناظر أن يظهر الحقّ على لسان خصمه و مهما ظهر تشمّر لجحده و إنكاره بأقصى جهده و بذل غاية إمكانه في المخادعة و المكر و الحيلة لدفعه، ثمّ تصير المماراة فيه طبيعة فلا يسمع كلاما إلّا و ينبعث من طبعه داعية إلى الاعتراض عليه حتّى يغلب ذلك على قلبه في أدلّة القرآن و ألفاظ الشرع فيضرب البعض منها بالبعض و المراء في مقابلة الباطل محذور إذ ندب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى ترك المراء بالحقّ على الباطل فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من ترك المراء و هو مبطل بني اللّه له بيتا في ربض الجنّة و من ترك المراء و هو محقّ بني اللّه له بيتا في أعلى الجنّة» [٢] و قد سوّى اللّه سبحانه بين من افترى على اللّه عزّ و جلّ كذبا و بين
[١] أخرجه الطبراني من حديث سلمان بإسناد ضعيف كما في المغني.
[٢] أخرجه أبو داود و ابن ماجه و الترمذي كما في الترغيب ج ١ ص ١٣٠.