نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٠ - السياسة الإلهية والشيطانية
ثم رد عليه السلام على من إتهمه بعدم العلم بالسياسة فقال:
«ما لهم قاتلهم اللَّه قد يرى الحول [١] القلب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر اللَّه ونهيه، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها»
أمّا ذلك الذي لايتورع عن الذنب والمعصية وعدم الإكتراث للدين فانّه ينتهز الفرصة ليفعل ما يشاء فيراه البلهاء سياسيا ناجحا
«وينتهز [٢] فرصتها من لاحريجة [٣] له في الدين»
فالإمام عليه السلام يقول إنّ عدم استغلالي للفرص الغدرة من أجل التفوق على العدو لايعني عدم علمي بالامور، بل ذلك يعني أني أخاف اللَّه، وإنّي لا عتمد الورع والتقوى والعدل حتى مع أعدى أعدائي، ولا أرى الغاية تبرر الوسيلة، بل لا أومن بالنصر كيفما كانت قيمته وثمنه، إلّا أنّ أعدائي لا يراعون أي من هذه المبادئ، فهم يقارفون كل جناية ولا يتورعون عن أية جريمة، فلا يقيمون وزناً لدماء الأبرياء، ولا يتحرجون من الظلم والعدوان، ولا يلتزمون بالعهود والمواثيق، نعم ليس لهم من هم سوى تحقيق أهدافهم اللامشروعة بأية وسيلة. فاذا رأى الناس تصرفاتهم وتحرجي عدوهم ساسة أكفاء، والحال ما هم ساسة وأنّهم لحفنة من الظلمة الذين يفتقرون إلى الورع والتقوى.
السياسة الإلهية والشيطانية
إن الاختلاف في الاساليب السياسية إنّما تفرزه الرؤى بشأن الحكومة، فالسياسة التي ينتهجها اولئك الذين ينشدون الحكومة من أجل ضمان مصالحهم الشخصية أو الفئوية، تختلف عن السياسة التي يتبعها اولئك الذين لايرون في الحكومة سوى وسيلة لحفظ القيم والمثل.
فالحكومات السابقة كانت تتصف بالدكتاتورية المقيتة التي تتكرس في فرد واحد مستبد غاشم يسعى جاهداً لتحقيق مآربه وإشباع رغباته وضمان مصالح بطانته معتمداً منطق القوة والعنف من أجل ترسيخ دعائم حكومته فلا يرى من حرمة لقيم ومثل سوى تلك التي تخدم
[١]- الحول القلب بضم الاول وتشديد الثاني هو البصير بتحويل الامور وتقليبها.
[٢] «ينتهز» من مادة «إنتهاز» بمعنى الإقدام على عمل، كما يعني الاستفادة التامة من الفرصة.
[٣] «حريجة» من مادة «حرج» بمعنى التحرج والتحرز من الآثام، ويأتى الحرج أحياناً بمعنى الذنب.