نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٨ - نظرة إلى الخطبة
الروحي يفيد أنّ الأمر كذلك، فالوفاء يعني الالتزام بالعهد، وهو في الواقع نوع من الصدق، كما أنّ الصدق نوع من الوفاء. والصدق ذو معنى واسع وشامل لايقتصر على الحديث، بل يشمل العمل أيضا، ومن هنا صرح القرآن قائلا: «مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ» [١] فمن الواضح أنّ المراد بصدق العهد في الآية هو الصدق في العمل، ولذلك أردفت بالقول «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ». ومن هنا تتضح عمق الرابطة بين الوفاء والصدق، فلو أبرم شخص عهداً ونقض عهده فقد كذب، ومن هنا يمكن اعتبار ناقض العهد كاذباً، ولما كان حسن الصدق وقبح الكذب ظاهر لكافة الناس، فانّ الإمام عليه السلام قرن بهما الوفاء بالعهد ونقضه ليتضح حسنهما وقبحهما. ثم تطرق الإمام إلى الآثار الايجابية للوفاء بالعهد فقال:
«ولا أعلم جنة [٢] أوقى منه»،
فهذه في الواقع من أهم آثار الوفاء بالعهد وبركاته الدنيوية في أنّه جنّة وثيقة؛ لأنّ أساس الحياة الاجتماعة يتمثل بالتعاون والتكافل والثقة المتبادلة والالتزام بالعهود والمواثيق الفردية والاجتماعية، بعبارة اخرى فانّ الثقة المتبادلة تذلل كثيراً من المصاعب، بينما يتعذر حل هذه المصاعب إذا ما انعدمت الثقة وسلب الاعتماد بين الناس، ولذلك كانت الدعامة الأصلية للدين تتجسد في الوفاء بالعهود والمواثيق، حتى ورد في الحديث النبوي المعروف
«لادين لمن لاعهد له» [٣]
كما ورد أيضاً
«إذا نقضوا العهد سلط اللَّه عليهم عدوهم» [٤]
جدير بالذكر أن الجنّة بمعنى الدرع الذي يقي أخطار العدو في ميدان القتال.
تشبيه الوفاء بهذا الدرع يفيد كونه يشكل الوسيلة الدفاعية تجاه الأخطار الاجتماعية التي تفرزها حالة الفوضى وعرقلة القوانين والمقررات. ثم أشار عليه السلام إلى أبعاده المعنوية والاخروية فقال
«وما يغدر من علم كيف المرجع»؛
الأمر الذي أشار إليه الإمام عليه السلام في نهجالبلاغة بقوله
«لولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة ولكل
[١] سورة الأحزاب/ ٢٣.
[٢] «جنة» على وزن «غصة» بمعنى الدرع واشتقت في الأصل من مادة جن على وزن فن بمعنى الستر ومنهالمجنون، كما تطلق الجنة على البستان كأنه تغطى بالأشجار، ومنه الجنين المغطى برحم الأم وإطلاق الجن على تلك الجماعة لخفائها.
[٣] نوادر الرواندي/ ٥.
[٤] بحارالأنوار ٩٧/ ٤٦.