نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٥ - القسم الأول
القسم الأول
«أَيُّها النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلَيْكُمُ اثْنانِ: اتِّباعُ الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ، فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ».
الشرح والتفسير
أوردنا سابقاً أنّ الإمام عليه السلام خطبها بعد الجمل حين ورد الكوفة، بهدف الحد من الغرور الذي تفرزه طبيعة النصر والتنافس على غنائم المعركة، فقال عليه السلام:
«أيّها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم إثنان: إتباع الهوى وطول الأمل، فأمّا إتباع الهوى فيصد عن الحق، وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة».
والعبارة الآخيرة مهمّة ذات أثر بالغ في مصير الامّة، بحيث ورد التأكيد عليها في أحاديث النبي صلى الله عليه و آله، كما أشار إليه الإمام عليه السلام سابقاً في الخطبة الثامنة والعشرين». [١] ويتضِح من معنى مفردة الهوى التي تشير إلى أهواء ورغبات النفس الأمارة باللذات الدنيوية دون الحدود والقيود مدى صدها الإنسان عن الحق ومنعه من بلوغه، لأنّ الهوى حجاب على العقل يحول دون إدراك الحقائق ومشاهدتها، بينهما يزين له هذا الهوى الباطل ليبديه له أنصع من الحق، في حين يشوه له الحق ويظهره له كابشع صورة للباطل، وقد لمست هذه الحقيقة كثيراً خلال تجربتي ومطالعتي لسيرة الماضين في كيفية تبرير أتباع الهوى لبعض صور الحق والباطل وتغيير هويتهما. وأما طول الأمل فيستقطب جميع طاقات الإنسان وقواه حتى ينسيه الآخرة، ولما كانت قوى الإنسان محدودة فانّه يستهلكها في الآمال الكاذبة اللامتناهية بحيث لا يبقى لنفسه من قوة يدخرها للآخرة، ولا سيما أنّ الامال لا تعرف للنهاية
[١] بحارالانوار ٧٤/ ١٨٨ (مع اختلاف طفيف) وبحارالانوار ٧٠/ ٩٠- ٩١ مع فارق ضئيل جداً.