نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٥ - ١- الخوارج ظاهرة لافرقة
«فاذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم»
فترلت الآية المذكورة: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ». فالواقع أنّ هذه الكلمات تفيد إمتداد الجذور الفكرية للخوارج إلى عصر النبي صلى الله عليه و آله وأنّهم لم يكونوا يتورعون حتى عن مجابهة النبي صلى الله عليه و آله إذا تعرضت مصالحهم للخطر. ونقل ابن أبي الحديد عن مسند أحمد بن حنبل أنّ عائشة سألت مسروق: هل عندك علم من المخدج (أحد زعماء الخوارج)؟ فقلت: نعم، قتله علي بن أبي طالب على نهر قالت عائشة: إبغني على ذلك بينة.
فأقمت رجالًا شهدوا عندها بذلك. قال فقلت لها: سألتك بصاحب القبر، ما الذي سمعت من رسولاللَّه صلى الله عليه و آله فيهم؟ فقالت: نعم سمعته يقول:
«إنّهم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم عنداللَّه وسيلة» [١]
. هذا ويمكن ايجاز مميزات الخوارج فيمايلي: إنّهم طائفة تعني كثيراً بظواهر العبادات وحتى المستحبات والمكروهات البسيطة وهذا ما جعلهم يعيشون الغرور ويشعرون بالعجب، وبالمقابل كانوا أفراد جاهلين متعصبين خارجين عن حدود الادب والخلق، ولا يتورعون عن أقذر الأساليب من أجل تحقيق مآربهم، وأفضل نموذج على ذلك سوء خلق
«ذو الخويصرة»
(حرقوص) وفضاضته تجاه النبي صلى الله عليه و آله. صحيح أنّ الخوارج ظهروا في صفين بعد التحكيم إلّاأنّ هذا لايعني عدم وجود إمتداداتهم الفكرية لما قبل عصر الإمام عليه السلام ومازلنا إلى اليوم نلمس ثقافتهم وأفكارهم المنحطة لدى بعض طبقات وفئات مختلف المجتمعات البشرية، ولعل أغلب الوهابيين ينتمون إلى هذه الزمرة، لأنّهم يتصفون بصفاتهم. كما نرى في أوساطنا بعض الأفراد الشديدي الالتزام بقشور الدين بينما يرون إنحراف كبار علماء الدين عن الصراط المستقيم ويسعون جاهدين لاثارة البلابل والفتن. ولايبدو القتال علاجاً لمرض هذه الفئة الضلالة، بل علاجها يكمن في رفع المستوى الثقامي للُامّة وانفتاحها على المسائل الدينية والعقائدية؛ الأمر الذي صرح به الإمام عليه السلام في الخطبة القادمة. وقد أشار الإمام عليه السلام في الخطبة السادسة والثلاثين إلى مدى جهل هؤلاء الأفراد فقال
«وأنتم معاشر أخفاء الهام، سفهاء الاحلام ولم آت- لا أبالكم- بجرا ولا أردت
[١] شرح نهجالبلاغة لابن أبي الحديد ٢/ ٢٦٧.