نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٣ - ١- الدنيا والآخرة في الأحاديث
وتهيئته لعالم الآخرة المفعم بالخير والبركة. وقد تظافرت الروايات التي تعرضت لبيان حقيقة الدنيا بعدة تعبيرات مختلفة رائعة، ومن ذلك الخطبة التي نحن بصددها والتي شبّه فيها الإمام عليه السلام الدنيا بالدورة التدريبية التي يستعد فيها الإنسان لسباق الآخرة، الذي يحصل فيه الغالب على الجنّة والخاسر النار. وقد جاء في الحديث أن
«الدنيا مزرعة الآخرة» [١]
ومن الواضح أنّ المزرعة ليست مكاناً للحياة والاستقرار بل هى مكان للتزود من أجل مكان آخر، وقد عبّر عنها بالمتجر ودار الموعظة والمصلى، كما أورد ذلك الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة فقال
«إنّ الدنيا دار صدق لمن صدقها ... ودار موعظة لمن اتعظ بها، مسجد أحباء اللَّه ومصلى ملائكة اللَّه ومهبط وحي اللَّه ومتجر أولياء اللَّه» [٢]
. وروي عن الإمام السجاد عليه السلام أنّ المسيح عليه السلام قال للحواريين:
«إنّما الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها» [٣]
. كما عبر عنها الإمام علي عليه السلام بأنّها
«دار ممر» [٤] و «دار مجاز» [٥]
. وأخيراً فقد وصفها الإمام الهادي عليه السلام بالسوق الذي يتضمن الربح والخسارة
«الدنيا سوق ربح فيها قوم وخسر آخرون» [٦]
. والخلاصة فانّ كل هذه العبارة ترشد إلى عدم النظر إلى الدنيا على أنّها هى الهدف النهائي، بل هى وسيلة لادخار العمل الصالح وكسب المعارف من أجل الظفر بالدار الآخرة. ولعل البعض يرى أنّ هذا الموضوع ساذج، إلّاأنّ الواقع هو أنّ أهم مسألة مصيرية في حياة الإنسان في أنّه كيف يتعامل مع الإمكانات المادية التي زود بها في هذه الحياة وكيف ينظر إلى هذه الدار، هل يراها وسيلة وأداة من أجل الوصول إلى هدف معيّن، أم يراها هى الهدف النهائي وليس وراءها شيء. والواقع أنّ تأكيد الإمام عليه السلام في بداية الخطبة على أن الدنيا ميدان الإستعداد لسباق الآخرة إنما يشكل الدعامة الأساسية الراسخة لسائر المواعظ المهمة التي وردت في هذه الخطبة.
[١] ورد هذا الحديث النبوي في غوالي اللئالي ١/ ٢٦٧.
[٢] نهج البلاغة، الكلمات القصار/ ١٣١.
[٣] بحار الأنوار ١٤/ ٣١٩ ح ٢١.
[٤] نهج البلاغة، الكلمات القصار/ ١٣٣.
[٥] نهج البلاغة، الخطبة ٢٠٣.
[٦] بحار الأنوار ٧٥/ ٣٦٦، مواعظ الإمام الهادي عليه السلام