نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٥ - القسم الثاني الرحيل الوشيك
القسم الثاني: الرحيل الوشيك
«أَلا فاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَما تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ! أَلا وَإِنِّي لَمْ أَرَ كالْجَنَّةِ نامَ طالِبُها، وَلا كالنَّارِ نامَ هارِبُها، أَلا وَإِنَّهُ مَنْ لا يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ الْباطِلُ، وَمَنْ لا يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى، يَجُرُّ بِهِ الضَّلالُ إِلَى الرَّدَى. أَلا وَإِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَدُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ وَإِنَّ أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتانِ: اتِّباعُ الْهَوَى، وَطُولُ الْأَمَلِ، فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيا مِنَ الدُّنْيا ما تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً».
الشرح والتفسير
أشار الإمام عليه السلام إلى مسألة مهمّة ربّما غفل عنها أغلب الناس:
«ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة»
فعبادة اللَّه وطاعته لا تعني الفزع إليه في الشدة والبلاء والتولي عنه في اليسر والرخاء؛ ولو كان الأمر كذلك لكان مشركوا الجاهلية من خلص العباد، فقد وصفهم القرآن الكريم بالقول: «فَإِذا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلى البَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ» [١] ثم خاطبهم في آية اخرى «وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلّا إِيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إِلى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الإِنْسانُ كَفُوراً» [٢]. والواقع أنّ العبرة ليست في الاقبال على اللَّه عند الفزع، بل العبرة أن يقبل العبد عليه حين الرخاء والرفاه والشعور بالقوة والاقتدار، فما كان مع اللَّه في هذه الظروف كان اللَّه معه في الظروف العصيبة.
فعلامة الإيمان الخالص أن يتوجه العبد إلى اللَّه ويذكره على كل حال في العافية والسقم والفتوة
[١] سورة العنكبوت/ ٦٥.
[٢] سورة الاسراء/ ٦٧.