نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٧ - القسم الثاني الرحيل الوشيك
والواقعيات هى التي تبلغ بالإنسان الهدف لا الوهم والخيال الذي لا يجر على الإنسان سوى الخذلان والخسران. ولعل الإنسان يستطيع عن طريق الباطل اغفال الآخرين مدّة من الزمان، إلّاأنّ مصيره المحتوم إنّما يؤول إلى البؤس والشقاء لا محالة في خاتمة المطاف وعليه فان قوله عليه السلام:
«ألا وإنّه من لا ينفعه الحق، يضره الباطل، ومن لا يستقيم به الهدى، يجر به الضلال إلى الردى»
إنّما يمثل حقيقة واقعية واضحة. طبعاً صحيح أن الاقرار بالحق واقتفاء آثاره إنّما يقترن غالباً بتحمل الشدائد المريرة، إلّاأنّ هذه المرارة تبدو كمرارة الدواء التي تجعل السقيم يتماثل للشفاء، ولا يجني من تلك المرارة سوى السلامة والصحة والعافية من المرض الذي ربّما يؤدي بصاحبه إلى الموت. ويتضح ممّا تقدم أنّ الحق والباطل ليسا من قبيل الوجودات الاصطناعية والامور الاعتبارية؛ فالحق في عالم التكوين هو ذلك الوجود العيني وفي عالم التشريع هو عبارة عن الواجبات والمحظورات التي تستند إلى المصالح والمفاسد والتي تمثل بدورها واقعيات عينية، وسنتناول هذا الموضوع بالشرح في الأبحاث القادمة.
على كل حال فانّ الإمام عليه السلام هدف بهذه العبارة إلى إفهام الآخرين- علاوة على تنبيههم إلى أصل كلي له بالغ الأثر في مصير الناس- بأنّهم اذا لم يلتزموا بوصاياه المنسجمة والحق والعدل فانّهم سيقعون في مخالب الظلم والجور والاضطهاد وإن أضرار الباطل ستجتاح حياتهم؛ الأمر الذي شهدوه في حياتهم ومسيرتهم. ثم تعرض الإمام عليه السلام- في النقطة التاسعة- إلى موضوع مهم يحكم حياة البشرية شاءت أم أبت
«ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن [١] ودللتم على الزاد»
. والأمر بالظعن هو قانون الموت الذي يحكم حياة الناس، فالأطفال يسيرون نحو الشباب، والشباب يتجهون نحو الكهولة وهذه الأخيرة إنّما تنتهي بالموت. فهو قانون شامل جاري لا يعرف الاستثناء والشواذ، كما أنّه قانون لا يقوى أحد على تجاوزه مهما كانت قوته وقدرته وعلمه ومعرفته فهو القانون الذي شرعته يد القدرة الإلهية لسمو الإنسانية وتكاملها وقد تعرضت أغلب آيات كتاب التشريع.
[١] «ظعن» على وزن «طعن» بمعنى الرحيل من مكان إلى آخر ومن هنا اطلقت الظعينة على الهودج لأنّه منوسائل السفر، وتستخدم أحياناً كنايةً عن النساء، لأنّهم غالباً مايركبن الهودج.