نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦ - القسم الثالث السئم والملل
وأخلاقها، الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى تعب الطرفين وسئم كل منهما الآخر. وإذا كان النبي صلى الله عليه و آله قد استطاع النهوض بزعامة الأقوام الجاهلية، فانّما ذلك لأنّهم أقروا بأهدافه ومبادئه في التربية وقد كيفوا أنفسهم مع سننه وخلقه. ومن هنا فانّ الأنبياء الذين لم يوفقوا في هذا الأمر ملوا أتباعهم، كما أنّ أقوامهم هى الاخرى لم تكن تطيق تحملهم. ولا يفوتنا هنا ضيق ذرع قوم لوط بنبيهم لطهارته وعفته «أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ». [١]
ثم دعا عليهم قائلًا:
«فابدلني بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شراً مني».
فهم ليسوا أتباعاً جديرين بهذا الإمام، ولم يعد إماماً مناسباً لهم، فالحكمة الإلهية تقتضي أن يخرجوا مسودي الوجوه من هذا الامتحان بعد أن تسلب منهم هذه النعمة الإلهية فيعشوا أنواع الهوان والذل. وما أسرع ما استجيب دعاء الإمام عليه السلام، فقد تسلط عليهم بنو امية ليرتكبوا بحقهم ما قل نظيره أو انعدم في التأريخ والعجيب ماورد في بعض التواريخ الإسلامية من أنّ الحجاج قد ولد [٢] آنذاك، وبالطبع فانّ أهل العراق والكوفة قد دفعوا ثمن جرائمهم وتخاذلهم قبل ذلك، إلّاأنّها بلغت ذروتها على عهد الحجاج.
طبعاً ليس المراد بالعبارة «أبدلم بي شراً مني» أنّي سيء ولكن سلط عليهم من هو أسوأ منّي. بل هى مقارنة تطلق على الخير المطلق والشر المطلق، فقد جاء في القرآن سورة الفرقان بعد أنّ أشار إلى شدة عذاب جهنم قائلًا: «قُلْ أَذ لِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ».
وبعبارة اخرى لم يكن أهل العراق والكوفة آنذاك أخيار ليسأل الإمام عليه السلام اللَّه أخير منهم، ولا الإمام عليه السلام- والعياذ باللَّه- كان سيئاً ليسلط اللَّه عليهم من هو أسوأ منه، ففي مثل هذه الموارد تفقد صيغة أفعل التفضيل مفهومها العادي وترد للمقارنة بين شيئين متضادين. ويبدو أن هذا الدعاء شبيه الدعاء الذي ابتهل به نبي اللَّه نوح عليه السلام على قومه بعد أن يئس من صلاحهم «رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّاراً» [٣]. ثم قال عليه السلام: «اللّهم مث قلوبهم كما يماث الملح
[١] سورة الأعراف/ ٨٢.
[٢] منهاج البراعة ٣/ ٣٥٨. صرح المسعودي- من المؤرخين المشهورين- أنّ الحجاج ولد عام ٤١ ه وتوفيعام ٩٥ وله من العمر ٥٤ سنة.
[٣] سورة نوح/ ٢٦.