نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٢ - القسم الأول الجهاد باب من أبواب الجنّة
ولا يتيسر لقاء اللَّه دون الجهاد الأكبر كما تتعذر العزة والرفعة في الدنيا والآخرة دون الجهاد الأصغر. ثم قال عليه السلام
«فتحه اللَّه لخاصة أوليائه»
. صحيح أنّ جهاد العدو والنفس يعد وظيفة جميع المسلمين، إلّاأنّ أولياء اللَّه فقط الذين يسعهم خوض غمارهما حتى النهاية على أساس الاخلاص والنية الحسنة، بينما قد تكون نيات الآخرين مشوبة بالطمع ونيل الغنام أو الحصول على الحياة والمنصب والشهرة وبالتالي فهم لا يواصلون المسيرة إلى آخرها. فأولياء اللَّه فقط الذين يقتحمون الميدان ويصبرون على الأذى في حركتهم الجهادية فيركعون كافة قوى الشر والظلام.
ونخلص ممّا سبق إلى عدم ورود الإشكال على الإمام عليه السلام في أنّه خص باب الجهاد بخاصة أولياء اللَّه بينما كتب على جميع المسلمين. كما نفهم من قوله عليه السلام أن من طوى مسيرة الجهاد الأصغر والأكبر فهو من خاصة أولياء اللَّه سبحانه. ثم يصف عليه السلام الجهاد فيقول
«وهو لباس التقوى ودرع اللَّه الحصينة، وجنته الوثيقة»
ونعلم أنّ اللباس زينة للإنسان وجمال له من جانب، ومن جانب آخر فانه حافظ لبدنه من شدة الحرارة والبرودة التي تؤذيه فيما لو كان عرياناً، كا يشكل أساس عزة الأقوام والشعوب ودرعها من أنواع المخاطر والآفات؛ الأمر الذي أكده الإمام عليه السلام في عباراته اللاحقة.
وأخيراً فالجسد العاري عرضة لأنواع الأذى موصوفاً بالقبح والشناعة، وعليه فالأُمّة التي تولي ظهرها للجهاد هى أُمّة ذليلة مهددة بكافة عناصر الزوال والانهيار. أمّا علة إضافة اللباس للتقوى في العبارة فلعل ذلك يفيد تعذر حفظ أصول التقوى دون توفر الأمن، كما يتعذر الأمن دون الجهاد. كما يحتمل تفسيرها على أنّها اشارة إلى الآية ٢٦ من سورة الأعراف التي عدت التقوى نعمة الهية بعد ذكر اللباس الظاهر «وَلِباسُ التَّقْوى ذ لِكَ خَيْرٌ».
وبناءً على هذا فالمراد هو أن لباس التقوى الذي ورد في القرآن إنّما مصداقه الكامل هو الجهاد الذي يجعل المجتمع يعيش الأمن والأمان على كافة المستويات [١] وهو مصدر الحسن والجمال.
[١] لابدّ من الالتفات إلى أنّ الاضافة (لباس التقوى) في التفسير الأول من قبيل الإضافة اللامية وفي التفسيرالثاني إضافة بيانية.