نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٧ - جدوى الذم واللوم
ثم يخلص الإمام عليه السلام إلى هذه النتيجة
«ما أنتم لي بثقة سجيس [١] الليالي»
. وبالنظر إلى أن سجيس الليالي»
تعني ظلمة الليل فانّ معنى العبارة مادامت الليالي بظلامها فليس لي من ثقة بكم، وهى كناية عن الأبدية والخلود، لأن الظلمة لا تفارق الليل أبداً. أما اختيار ظلمة الليل فينطوي على منتهى البلاغة إستنادا إلى أفكار أهل الكوفة وأعمالهم السوداء المظلمة. ثم أكد ذلك بقوله
«وما أنتم بركن يمال بكم ولا زوافر [٢] عز يفتقر إليكم»
وهكذا أعلن الإمام عليه السلام بهذه العبارات عدم ثقته واعتماده على هذه العناصر الضعيفة بعد أن تطرق لنقاط ضعفهم، أملا في إثارتهم وتعبئتهم لتوحيد الصف ومجابهة العدو. ودخولهم الميدان بكل قوة وشجاعة.
جدوى الذم واللوم
نرى أنفسنا مضطرين مرة اخرى لملاحقة هذا السؤال: لم كل هذا العتاب واللوم من قبل الإمام عليه السلام- وهو ما هو عليه من العلم والحكمة في إدارة شؤون الناس- لأهل الكوفة وامطارهم بوابل من الكلمات القاسية العنيفة؟ أفلا يؤدي هذا الكلام الذي ينطوي على العتاب والذم وانعدام الثقة إلى نفرتهم وشدة تعصيّهم وابتعادهم عن الحق؟ ولابدّ من القول في الجواب أنّ الإمام عليه السلام قد خبر نفسية وروحية أهل الكوفة، وقد أثبت التأريخ أن اهل الكوفة لم يكونوا يتحركون إلّاإذا داهمهم الخطر وعرضهم للزوال بالمرة، بعبارة اخرى فانّ العتاب لايجدي معهم نفعا ما لم يجرح مشاعرهم ويثير أحاسيسهم.
ويبدو أنّ المجتمعات البشرية إنّما تشتمل دائما على طائفة- وإن كانت ضئيلة- لا تفيق إلى نفسها ما لم تتلق ضربات موجعة متتالية.
ولا يفهم من كلام الإمام عليه السلام إننا ينبغي أن نعتمد هذا الاسلوب تجاه من عاش الغفلة وتخلى عن وظيفته ومسؤوليته؛ لأنّ الأفراد على أنواع: بعضهم يعود إلى نفسه بأدنى إشارة فيستقيم
[١] «سجيس» من مادة «سجس» بمعنى تغيير لون الماء وتكدره، ومن هنا اطلقت «سجيس الليالي» على ظلمةالليل وكأنّ اصل الاستعمال ما دامت الليالي بظلامها، وهكذا وردت في العبارة.
[٢] «زوافر» جمع زافرة من مادة «زفر» بمعنى التنهد وهو التنفس بصوت. كما يطلق الزفير على صوت النار، والزافزة بمعنى الأنصار والأقوام والعشيرة.