نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٩ - نظرة إلى الخطبة نتيجة العصيان
ثانياً: أنّه ينسب هذه الحادثة المريرة إلى الدهر، ونعلم أن الدهر لايعني سوى أهله، وإلّا فبزوغ الشمس والقمر وهطول المطر وهبوب الرياح وسائر الظواهر الطبيعية ليست على شئ حتى تخلق مثل هذه الحوادث فالناس وبفعل أعمالهم الشائنة هم الذين يكونون السبب لمثل هذه الحوادث!
ولا شك إنّ هذه الحادثة لم تكن لتقع لوطاع أهل العراق الإمام عليه السلام والتفتوا إلى تحذيراته واتعظوا بنصائحه. والمراد بالخطبب الفادح قضية التحكيم التي جرت الويلات على العالم الإسلامي.
صحيح أنّ قضية التحكيم- كما سيمر علينا في البحث القادم- لم تغير من حقيقة الأمر شيئاً، الا أنّها كانت ذريعة كبرى لمعاوية ورهطه من أجل إغواء الجهال وتحريف الأفكار، كما أدت إلى ظهور البدع في العالم الإسلامي.
وقوله عليه السلام
«حدث جليل»
هو تأكيد آخر لاثار السوء لتلك البدعة المشؤومة.
ثم يردف عليه السلام الحمد والثناء بالشهادة لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه و آله بالعبودية والنبوة
«وأشهد أن لا اله إلّاالله لا شريك له، ليس معه إله غيره، وأنّ محمّداً عبده ورسوله»
فالاتيان بالشهادتين في مطلع الخطبة وأن تضمن التأكيد من جديد على لزوم تقوية دعائم التكامل الإنساني وإحياء الاصول العقائدية الإسلامية، إلّاأن يشير إلى قضية الحكمين، وذلك أن الامّة قد جاوزت أصل التوحيد واتجهت صوب أفعال الشرك وتجاهلت التأسي برسول الله صلى الله عليه و آله فاستسلمت لاهوائها.
ثم تطرق عليه السلام إلى الهدف الأصلي من الخطبة
«أما بعد، فان معصية الناصح الشفيق العالم المجرب [١] تورث الحسرة وتعقب الندامة».
فالعبارة بمنزلة الكبرى وبيان قاعدة كلية في أنّ المستشار إذا تحلى بأربع صفات فانّ مخالفته توجب الندامة والحسرة لا محالة. الاولى صفة النصح وارادة الخير ومقتضى ذلك السعي لاحقاق الحق.
الثانية القلب المفعم بالعطوفة والرأفة والحب وإرادة السعادة والخير النابعة من أعماق
[١] «مجرب» على وزن محقق ممن يتمتع بمعرفة عظيمة بفعل كثرة التجارب إلّاأنّ العرب تلفظه مجرببالفتح على وزن مقرب.