نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢ - القسم الثالث تهديد علي عليه السلام
الربانيين إلى شهر السيف بوجه هذه الطائفة الطائشة والاطاحة برؤوسها العفنة، وهذا هو آخر الدواء حيال تلك الأمراض المستعصية إذا ما عجزت غيره من الأدوية عن شفاء تلك الأمراض «إن آخر الدواء الكلي» [١] والواقع هو أنّ قوله عليه السلام: «شافياً من الباطل» وقوله:
«ناصراً للحق» من قبيل اللازم والملزوم؛ وذلك لأنّ علاج الباطل يؤدي إلى نصرة الحق ونصرة الحق تؤدي إلى اضمحلال الباطل. ثم يعرب الإمام عليه السلام عن فائق دهشته إلى أنّ هؤلاء قد أعلنوا عليه الحرب ودعوه إلى الطعان والصمود أمام سيوفهم وهو الذي تشهد له ساحات الوغى وميادين القتال في المواقع التي تنكص فيها الأبطال «ومن العجب بعثهم إليّ أن أبرز للطعان [٢] وأن أصبر للجلاد» [٣].
فالعبارة تكشف بجلاء أنّ ناكثي البيعة هم الذين بادروا إلى نشوب المعركة، حيث هدوا الإمام عليه السلام بكل وقاحة بإعداد نفسه لمواجهة سيوفهم وحرابهم، وهذا ما نوّه إليه ابن أبي الحديد عن المؤرخ المعروف أبو مخنف قوله: رجع رسل علي عليه السلام من عند طلحة والزبير وعائشة يؤذنونه بالحرب. [٤]
على كل حال فانّ هذا التهديد يكشف عن مدى تعامي مؤججي فتنة الجمل عن رؤية الحقائق والوقائع، وقد أعمى حبّ المناصب والمقامات بصيرتهم وبصائرهم حتى لم يعودوا يروا الحقيقة المطلقة التي تهتف بانديتهم ليل نهار، ألا وهى شجاعة وبسالة علي عليه السلام التي رأوها مراراً وكراراً في الغزوات الإسلامية على عهد النبي صلى الله عليه و آله. ثم عاود الإمام عليه السلام مواصلة حديثه في الاستغراب من ذلك التهديد الفارغ ليقدم الدليل القاطع على رفضه لما أوردوه فقال عليه السلام:
«هبلتهم الهبول! لقد كنت وما أُهدد بالحرب ولا أُرهب بالضرب! وإني لعلى يقين من ربّي وغبر شبهة من ديني»، قوله عليه السلام «هبلتهم الهبول» [٥]- بالاستناد إلى مفهوم الهبل بمعنى الثكل
[١] العبارة مثل عربي معروف وقد أشير إليه في بعض الروايات الإسلامية ومنها الخطبة ١٦٨ من خطب نهجالبلاغة.
[٢] «طعان» بمعنى الضرب بآلة وتستعمل عادة للرمح ويقال لذرب اللسان طعن أيضاً.
[٣] «جلاد» من مادة «جلد» بمعنى الضرب بالعصا أو السيف أو السوط وهو هنا كناية عن الحرب.
[٤] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١/ ٣٠٦.
[٥] «هبلتهم» بمعنى ثكلتهم، والهبول بفتح الهاء المرأة التي لا يبقى لها ولد، وهو دعاء عليهم بالموت.