نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥١ - المنزه عن الظن والخيال
إلى هذه النتيجة
«فلا استعلاؤه [١] باعده عن شيىء من خلقه ولا قربه ساواهم في المكان به»
لعله يتصور بأنّ هذه الصفات تناقض مع بعضها فكيف يكون الشي بعيداً عالياً وفى نفس الوقت قريباً ملازماً؟ كيف يكون بعيداً في القرب وقريباً في البعد؟ نعم إذا كان المقياس هو المخلوقات التي من حولنا فهناك تناقض، غير أنّ الالتفات إلى هذه النقطة يزيل مثل هذا التناقض ويرشد إلى معرفة صفات اللَّه، وهى أنّ وجوده سبحانه لامنتاهي وغني ومطلق من جميع الجهات، وهو الوجود الذي لايشوبه أية محدودية من حيث الزمان والمكان والعلم والقدرة، بل هو فوق الزمان والمكان فهو في كل مكان وكل زمان وفى نفس الوقت ليس له مكان ولا زمان. ومثل هذا الوجود قريب من جميع الأشياء وهو بعيد عنها جميعاً لأنّه لا يشبهها، هو أظهر من كل شي، لأنّ كل شي متقوم بوجوده، وهو ابطن من كل شي لأنّه لا يشبه المخلوقات والكائنات التي نعرفها ونألفها. وبناءا على هذا فالمراد بالعلو في العبارة المذكورة فوقيته للوجود وعلوه عليه لا علوه في المكان، والمراد بالقرب قربه في الاحاطة الوجودية لا القرب في المكان. وهنا لابدّ من الاذعان إلى أن فهم وإدراك هذه الصفات ليس سهلًا علينا بفعل تعاملنا مع صفات الممكنات؛ إلّاأنّه يمكن تقريبها إلى الأذهان من خلال التأمل والاستعانة ببعض الأمثلة وإن كانت ناقصة قاصرة. على سبيل المثال للرد على السؤال الذي يقول كيف يكون له وجود في كل مكان وزمان ولا يحويه مكان وزمان، يمكننا أن نستعين ببعض الأمثلة الناقصة من قبيل بعض المعادلات والقوانين الرياضية، فكلنا نعلم بأنّ (٢+ ٢/ ٤) فهى صادقة في كل زمان ومكان في السماء والأرض، وفى نفس الوقت ليس لها من زمان أو مكان. فقوله عليه السلام:
«فلا استعلاؤه باعده عن شي من خلقه ولا قربه ساواهم في المكان به»
نتيجة واضحة لتلك الحقيقة المذكورة، فقد قال بعض شرّاح نهجالبلاغة بعد أن إستعانوا بمثال ناقص إلّاأنّه مناسب، في أنّ أمواج الضوء تنعكس على الزجاج وتنفذ إلى داخله فتضيئها، وهى في نفس الوقت أقرب إليها من كل شي، وهى ليست مثلها، بل هى وجود لطيف وأعلى وأرفع، ولعل هذا المعنى هو المراد بالآية «اللَّهُ نُورُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ ...» [٢] ثم
[١] الاستعلاء قد يكون بمعنى الافضلية واريد بها هنا هذا المعنى.
[٢] سورة النور/ ٣٥.