نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦ - المساومة والمصناعة
الشرح والتفسير
المساومة والمصناعة
استهلّ الإمام عليه السلام خطبته بالقول: «ولعمري [١] ما علىّ من قتال من خالف الحق وخابط [٢] الغى، من إدهان [٣] ولا إيهان [٤]».
يبدو أنّ هنالك فارق بين العبارتين «خالف الحق» و «خابط الغي»- هو أنّ العبارة الاولى إلى الفرد الذي يشق عن علم سبيل مخالفة الحق، بينما تشير الثانية إلى من يختار ذلك الطريق ويسبح في بحر من الضلال جهلًا وخطأ ودون أدنى تأمّل ومطالعة. أمّا تعبيره عليه السلام بالادهان (المجاملة والمداهنة) والايهان (الضعف) فهو تحديد إلى أنّ الكف عن القتال والمواجهة إنّما يستند إلى أحد سببين؛ إمّا المجاملة والمداهنة لأعداء الحق، أو الضعف والعجز، وحيث لم يكن لأى من هذا السببين من سبيل إلى كيان علي عليه السلام فإنّ مواجهته لمخالفي الحق عنيفة لا هوادة فيها.
وقد ورد تقريباً شبه هذا المعنى في سائر كلمات الإمام عليه السلام في إطار حديثه عن الإطار العام الذي يتحرّك ضمن دائرته زعماء المسلمين وأئمتهم فقد قال عليه السلام: «لا يُقيمُ أمرُ اللَّهِ سُبحانَه إلّا مَنْ لا يُصانِعُ ولا يُضارِعُ ولا يَتَّبِعُ المَطامِعَ» [٥]. كما وصف نفسه عليه السلام في موضع آخر فقال:
«وأَيمُ اللَّه لقد كنتُ مِن ساقَتها حتَّى تَوَلَّتْ بِحَذافيرِها واستَوسَقَتْ في قِيادها، ما ضَعُفْتُ ولا جَبُنْتُ ولا خُنْتُ ولا وَهَنْتُ» [٦].
[١] «لعمري» و «عَمْر» و «عُمَر» و «عُمُر» بمعنى مدة الحياة ويقال حين القسم لعمري بفتح العين. وهى هنامبتدأ لخبر محذوف تقديره «لعمري قسمي» وقد ورد سؤال في مجمع البحرين كيف بهذا القسم وهو لا يجوز بغير الذات الإلهية المقدسة؟ وأجيب بأنّ هذا القسم ليس حقيقة بل بصورة قسم، وتقديره «بواهب عمري وعمرك».
[٢] «خابط» من مادة «خبط» وخابط الغي بمعنى صارع الفساد، وأصل الخبط اليسر في الظلام، وتستعمل للناقة حين تخبط في مشيها.
[٣] «الادهان» من مادة «دهن» بمعنى المنافقة والمصناعة ولا تخلو من مخالفة الباطن للظاهر، كما تستعمل كناية عن المجاملة والمداهنة.
[٤] «الايهان» من مادة «وهن» بمعنى الضعف سواء في الخلقة أو الأخلاق، والايهان والتوهين بمعنى الاضعاف.
[٥] نهج البلاغة، الكلمات قصار، ١١٠.
[٦] نهج البلاغة، الخطبة ١٠٤.