نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٨ - القسم الأول الدهر وضياع القيم
ثم تناول الإمام عليه السلام بعض خصائص الزمان آنذاك والذي يتصف بعناد الناس وجحودهم ليصفه في خمس عبارات فقال:
«يعد فيه المحسن مسيئاً ويزداد الظالم فيه عتوا»
أو يمكن أن يتهم المحسن بالاثم ويثنى على الظالم؟ بلى إذا تغيّرت قيم المجتمع عد المحسن مسيئاً والمسيىء محسناً.
فإذا كان المال والثراء والقوة هى القيم ومعايير الشخصية، فستكون الصدارة في ذلك المجتمع للظلمة والطغاة والجبابرة، بينما تميع فى هذا المجتمع شخصية المحسنين الذين يمدون يد العون إلى الفقراء والضعفاء وينفقون عليهم الأموال وينعتونهم بالحماقة والبلاهة.
وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض نماذج الفساد الذي طال المجتمعات البشرية بفعل فساد التعامل مع القيم والتنكر لها ومن ذلك ما أورده بشأن قوم لوط الذين عزموا على إخراج نبيّهم ومن معه من المؤمنين الصالحين ولا ذنب لهم سوى الطهر والعفاف «وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ» [١].
كما اعتبر الظلمة من قوم نوح تلك الثلة الخيرة التي آمنت باللَّه والنبي بأنّها من أراذل القوم والسذج الذين ليس لهم من مزية على من سواهم « «ما نَراكَ إِلّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراك اتَّبَعَكَ إِلّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ». [٢]
نعم إذا فسد الناس وازداد حجم الظلم والاضطهاد تغير وجه المجتمع وغيبت فيه القيم، وازداد الظالم طغياناً وتجبرا وعدّ المحسن مجرما فيقصى من ذلك المجتمع.
وليس هنالك من نتيجة سوى ما أشار إليها الإمام عليه السلام:
«لاننتفع بما علمنا، ولا نسأل عمّا جهلنا».
والواقع أنّ هذه أسوأ حالة يعيشها الفرد أو المجتمع، أي أنّه لايستثمر علومه ومعارفه في حل مشاكله ولايهم بالقضاء على الجهل و الاقبال على العلم، وليس هنالك من نتيجة لهذين الأمرين سوى العوم في بحر الجهل والجريمة، وهذا هو حال كافة الأفراد الذين يغضون الطرف عن مفاسد المجتمع ولايرون لأنفسهم من مسؤولية في ردعها سواء من خلال اليأس من
[١] سورة النمل/ ٥٦.
[٢] سورة هود/ ٢٧.