نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٨ - القسم الثاني
أعمارهم دون بلوغ الكهولة. فالإمام عليه السلام يقول أنّ عمر الإنسان قصير قليل كبقية الماء واللبن في الإناء التي تعلق به عند قلبه، أو بعبارة اخرى فانّ الإنسان حين يقلب إناءاً مملوءاً بسائل ثم يعيد الإناء إلى وضعه الأصلي إنّما يتبقى فيه مقدار من الماء يطلق عليه الصبابة وهذه في الحقيقة هى عمر الإنسان ثم قال عليه السلام
«ألا وإنّ الآخرة قد أقبلت»
فكلما قصر عمر الدنيا اقتربت الآخرة، فالواقع إننا نركب قطار الزمان الذي يسير بسرعة نحو الآخرة، والدقائق والساعات والأيّام والأسابيع والأشهر والسنوات إنّما تكشف عن سرعة مسيرة قطار الإنسانية بأجمعها، ثم أوضح عليه السلام وظيفة الناس
«ولكل منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فانّ كل ولد سيلحق بأبيه يوم القيامة»
نعم هناك خطان: خط عبدة الدنيا وخط عشاق الآخرة، وإن كانت هنالك بعض الجماعات المتذ بذ بة بين الخطين. ولا يعرف أبناء الدنيا سوى النوم والأكل والشرب والشهوة والطرب والعيش والملذات، فهم متعلقون بظاهر الدنيا دون أن يكفوا أنفسهم عناء التفكير في الآخرة، بل هم عنها عمون «يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غافِلُون» [١]. فكأنّهم مخلدون في الدنيا وليس هنا لك من آخرة، فوثقوا بأموالهم وثرواتهم على أنّها تخلدهم في دنياهم «يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ». أما أبناء الآخرة فقد نظروا بعين العقل والبصيرة إلى الدنيا وأدركوا أنهم مفارقوها ومرتحلون عنها فلم يطمأنوا إليها. لقد طلقوها كما طلقها الإمام عليه السلام ثلاثة لارجعة فيها. فقد إتعظوا بالقرآن الذي أوقفهم على طبيعة خسرانها «وَالعَصْرِ* إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ». أمّا التعبير عن عبدة الدنيا بأبناء الدنيا وعن المؤمنين الصالحين بأبناء الآخرة، وذلك لأن الابناء إنّما يشبهون إلى حد كبير آبائهم وامهاتهم بفعل الصفات الوراثية التي تنتقل إليهم عن طريق الجينات، وهو الشبه الذي يدعو إلى المحبة والإرتباط. نعم عبدة الدنيا أبنائها، ومن هنا أحاط حبّ الدنيا بقلوبهم بحيث أصبحوا لايرون سوى الدنيا ولايجنون سواها، وشعارهم فيها «إِنْ هِيَ إِلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا» [٢] وإن كانوا ظاهرا يحملون الإسلام. أما أبناء الآخرة فقد سيطر حب اللَّه على
[١] سورة الروم/ ٧.
[٢] سورة الجاثية/ ٢٤.