نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٣ - القسم الأول الدنيا الغرور
القسم الأول: الدنيا الغرور
«أَلا وَإِنَّ الدُّنْيا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَآذَنَتْ بِانْقِضاءٍ، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها وَأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ، فَهِيَ تَحْفِزُ بِالْفَناءِ سُكَّانَها وَتَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرانَها وَقَدْ أَمَرَّ فِيها ما كانَ حُلْواً، وَكَدِرَ مِنْها ما كانَ صَفْواً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْها إِلَّا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الْإِداوَةِ أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ، لَوْ تَمَزَّزَها الصَّدْيانُ لَمْ يَنْقَعْ، فَأَزْمِعُوا عِبادَ اللَّهِ الرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِها الزَّوالُ، وَلايَغْلِبَنَّكُمْ فِيها الْأَمَلُ، وَلا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ فِيها الْأَمَدُ».
الشرح والتفسير
لقد تواترت خطبه عليه السلام في نهجالبلاغة التي توصي بالزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها والتزود منها إلى الدار الآخرة، إلى جانب التحذير من مخاطرها وأنّها متقلبة سريعة الزوال،
رغم أن الإنسان يطمح بالحياة مادامه في الدنيا ولابد أن يعيش بعزة ورفعة ويصرّف شؤون حياته المادية دون التبعية للآخرين وأنّ الإنسان لابدّ أن يتأهب فيها إلى السفر الشاق الذي ينتظره، ومن هنا ورد التأكيد في هذا الخطبة على الزهد في عشر عبارات رائعة في الدقة والمعنى، فقال في العبارة الاولى:
«ألا وإن الدنيا قد تصرمت، [١] وآذنت [٢] بانقضاء»
فالعبارة قد تكون إشارة إلى عمر الدنيا الايل للانقطاع والانتهاء، ومن هنا يسمى زماننا آخرالزمان، أو إشارة إلى الحياة الدنيا لكل فرد من الأفراد في كل عصر وزمان في أنّه قصير سريع الزوال، والمعنى الاخير أنسب. فمفهوم العبارة هو أنّ عمر الإنسان من القصر في هذه الحياة الدنيا وكأنّه يخاطب بالاستعداد للرحيل منذ ولادته. فقوله عليه السلام:
«ألا وإن الدنيا قد تصرمت»
يتناول باطن الدنيا، بينما تناول قوله عليه السلام:
«وآذنت بانقضاء»
ظاهرها، وبعبارة أخرى فانّ الدنيا فانية ذاتا،
[١] «تصرمت» من مادة «صرم» بمعنى انقطعت وفنيت، ومن هنا يطلق الصارم على السيف القاطع، وتصرمالدنيا يعني انقطاع أجلها.
[٢] «آذنت» من مادة إيذان أعلمت وأخبرت.