نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٢ - ١- الحق يؤخذ ولا يُعطى
فلن يسعكم القتال مع أي أحد بعدي. وعليه فليس أمامكم سوى الأسر والعبودية للعدو فيسلبوكم الإرادة والاختيار- فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أراد حثهم على القتال من خلال بعض المعاني التي تثير في نفوسهم الحمية والغيرة، فالوطن لا يسلم دون الدفاع عنه، وإن كانت لهم أدنى رابطة بإمامهم فهم مطالبون بالقتال فما عسى أن يكون الإمام من بعده والذي يسعهم القتال معه. ثم يخلص الإمام عليه السلام إلى عدم إمكانية خوض القتال بمثل هذه العناصر الضعيفة الهزيلة التي فقدت مقومات المقاومة والثبات
«المغرور- واللَّه- من غررتموه» [١].
فالمحتال الخادع قد يتلاعب ببعض ممتلكات الناس ويمدّ يده إلى بعض حاجاتهم، أما أنتم فقد سلبتموني كل شيء وقد وليتم ظهوركم للعدل والطهر والتقوى والعزة والرفعة فضيعتم حقوق المسلمين ولاسيما المستضعفين والمحرومين. ثم قال عليه السلام:
«ومن فاز بكم، فقد فاز- واللَّه- بالسهم الأخيب» [٢]
. إشارة إلى أنّ مساعدتكم ونصرتكم ليست بشيء، ومن يعتمد عليكم كمن يشترك في اقتراح لا تنطوي نتيجته سوى على الخسران.
فالإمام عليه السلام يرى فينصرة أهل الكوفة الهزيمة الفشل وقد شبهها تشبيه رائع في أنّ الفوز بهم كالفوز بالسهم الأخيب الخاسر. ثم أورد شبهاً آخر فقال عليه السلام:
«ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل»
في إشارة إلى أنّ أهل الكوفة فاقدون لكافة مقومات الهجوم على العدو من قبيل قوة الإيمان التقوى والشجاعة، وقد فقدوا كافة القيم إثر تعلقهم بالحياة الدنيا والاغترار بزخارفها وزبرجها.
تأمّلان
١- الحق يؤخذ ولا يُعطى
ما نفهمه من قوله عليه السلام
«لا يدرك الحق إلّابالجد»
أنّ الحق يؤخذ ولا يعطى؛ أي لا يمكن التطلع إلى الحصول على الحق في ظل الحكومات الغاشمة التي تعتمد اسلوب القوة وتمارس الظلم والاضطهاد بحق الطبقات المحرومة والمستضعفة؛ ولا غرو فأساس قوتهم وقدرتهم إنّما
[١] ان تقديم المغمور- الخبر للمبتدأ- يفيد الحصر، أي المغرور الواقعي هو هذا الفرد.
[٢] «أخيب» من مادة «خيب» بمعنى فقدان الشيء.