نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠١ - القسم الثاني الموت كمداً
مسالحها»
. ويبدو أنّ الأنبار كانت منطقة حدودية عراقية متاخمة للشام، لأنّ مسالح جمع مسلحة تعني الحدود والثغور- وذلك لأنّ الأسلحة تجمع هناك لتستخدم في الدفاع عن الحدود- وقوله عليه السلام:
«أزال خيلكم عن مسالحها»
تفيد اجتياز العدود لهذه الحدود دون مقاومة وقد مرّ علينا شرح ذلك. ثم أشار الإمام عليه السلام إلى الجنايات التي ارتكبها الغامدي بحق أهل الأنبار من المسلمين والمجاهدين من أهل الكتاب الذين ينبغي الدفاع عنهم من قبل الدولة الإسلامية، فقال عليه السلام:
«ولقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها [١] وقلبها [٢] وقلائدها [٣] ورعثها [٤] ما تمتنع منه إلّا بالاسترجاع والاسترحام»
، فالإمام عليه السلام أشار بوضوح إلى أنّ أحداً من المسلمين لم يهب للدفاع عن هذه النسوة المسلمات أو تلك المعاهدات. أمّا الاسترجاع فقد فسرّه بعض شرّاح نهج البلاغة بالبكاء المصحوب بالعويل في حين فسره البعض الآخر بكلمة «إنا للَّهوإنا إليه راجعون» التي تقال عادة عند النوائب والشدائد التي يتعرض لها الإنسان. ثم قال عليه السلام
«ثَّم انصرفوا وافرين مانال رجلًا منهم كلم ولا أريق لهم دم»
آنذاك يخلص عليه السلام إلى هذه النتيجة
«فلو أن أمراً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً»
فقد كشف الإمام عليه السلام عن عمق اللوعة التي كانت تعتلج في صدره مستغرباً ما حدث، كيف يضعف المسلمون إلى هذه الدرجة ولا تهتز لهم قصبة تجاه هذه الحملات المروعة التي أهلكت الحرث والنسل وقد طالت الأموال والأنفس والأعراض، وقد رجع المهاجمون غانمين سالمين دون أن يتكبدوا أية خسارة! أجل لا يسع المسلم الغيور تحمل مثل هذه الحادثة المأساوية قط، بل لو مات كمداً من جرائها لما كانت عليه من لائمة. والجدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام لم يفرق بين المرأة المسلمة والمعاهدة لما تعرضت له من انتهاك الحرمة والتطاول على حليها ووسائلها، كما يكشف عن مدى ضرورة التزام الدولة الإسلامية بالدفاع عن حقوق الأقليات الدينية التي تعيش ضمن المجتمع الإسلامي، مع ذلك فان غرض الإمام عليه السلام كان يكمن في تصوير عمق
[١] «حجل» على وزن فعل و «حجل» على وزن فَصل بمعنى الخلخال التي تزين به النساء العربيات أرجلهن.
[٢] «قلب» بضمتين جمع قلب بالضم فسكون بمعنى السوار المصمت وتعني في الأصل التغيير.
[٣] «قلائد» جمع «قلادة» على وزن اجارة، تطلق على كل شيء يحيط بآخر.
[٤] «رعث» بضم الراء والعين جمع «رعث» على وزن رأس ما تعلقه المرأة من الزينة في أذنها.