نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٦ - القسم الثالث الاجتماع على الباطل والفرقة عن الحق
مكتوفي الأيدي وعدم الدفاع عن الحق لافتقارهم للدوافع التي تؤدي إلى ذلك الدفاع، ومن هنا فاذا شوهد أصحاب الحق يعيشون الفرقة والاختلاف وضعف الإرادة، بينما تحكم الوحدة والأخاء أتباع الباطل، فان ذلك مدعاة للذهول والعجب. فإمام أهل العراق هو علي بن أبي طالب عليه السلام الذي نص رسول اللَّه صلى الله عليه و آله على ولايته إلى جانب مبايعته من قبل أهل المدينة ومكة من المهاجرين والأنصار وسائر المسلمين من المناطق الإسلامية، كما كانت دلائل أحقيته من زهد وعلم وفضيلة وعدالة واضحة للجميع، بينما كان إمام الشام معاوية المعروف بطغواه وحبه للجاه والمنصب وسوابقه المشينة في الإسلام والجاهلية والتي لم تكن خافية على أحد، أفليس من العجب أن يهب أهل الشام لنصرة باطلهم ويقفون بوجه الحق، وينفرج أهل الحق عن الإمام عليه السلام فينقضون ميثاقهم وينكثون بيعتهم؟! ومن هنا اشتد استياء الإمام عليه السلام عليهم فجعل يذمهم ويلومهم، بعد أن جعلوا أنفسهم في هذه الحالة المزرية
«فقبحاً لكم وترحاً [١] حين صرتم غرضاً يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، وتُغزون ولا تَغزون، ويعصى اللَّه وترضون»
. فالواقع يوجز الإمام عليه السلام ما يدعوه لذمهم في أمر واحد يكمن في الضعف والتواكل والخذلان إلى الحد الذي يمنح الأعداء الجرأة في شن الحملات تلو الحملات والغارات تلو الغارات فيسفكون دماء الأبرياء، وليس لهؤلاء من ردود فعل سوى الصمت والسكوت تجاه هذه المجازر المروعة!
ثم يتطرق الإمام عليه السلام إلى دليل آخر دعاه لذم هؤلاء والذي أدى بهم إلى ذلك الضعف والذي يكمن في التعلل بحر الجو وبرودته التي لا تلعب دوراً في القتال، فقال عليه السلام:
«فاذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم هذه حمارة [٢] القيظ [٣]؛ أمهلنا يسبخ [٤] عنا الحر. وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء، قلتم: هذه صبارة [٥] القر، أمهلنا ينسلخ [٦] عنا البرد؛ كل
[١] «ترحاً» تعني الحزن والغم فقد دعا عليهم الإمام عليه السلام بهذه العبارة بالحزن والهم.
[٢] «حمارة» من مادة «حمر» بمعنى اللون الأحمر، ويطلق على شدة حرارة الصيف المحرقة، وكأن شدةالحرارة كحمرة النار.
[٣] «قيظ» على وزن فيض بمعنى الحرارة الشديدة للصيف، وعليه فاضافة حمارة إلى قيظ تأكيد للحرارة.
[٤] «يسبخ» من مادة «سبخ» بمعنى التخفيف والتسكين.
[٥] «صبارة» من مادة «صبر» بمعنى حبس الشيء وحفظه، وتطلق الصبارة على شدة البرودة.
[٦] «ينسلخ» من مادة «سلخ» بمعنى إزالة القشر ومن هنا يطلق السلاخ على من يزيل جلد الحيوان، ثم اطلقت على كل فصل وإزالة.