نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٥ - القسم الأول الدنيا الغرور
الأفراد وانها تقترب بمرور الزمان من نهايتها، وقد كان تعبيره بمنتهى الروعة لتصوير قصر عمر الدنيا وسرعة زوالها، فالسملة تعنى الشي الزهيد الذي لاقيمة له، وتطلق على ما يتبقى من الماء في الاناء، و
«جرعة المقلة»
تطلق على المسافر الذي يشكو من قلّة الماء فيسعى للحصول على الماء لادخاره، أجل فعمر الدنيا قصير إلى درجة أنّه لا يروي ظمأ من تعلق به، فما أحرى العاقل أن يفيق إلى نفسه وينأى بها بعيداً عن الاغترار به، فينهمك بالآخرة ويسرع في السير إليها. ثم يخلص الإمام عليه السلام إلى النتيجة الواضحة
«فازمعوا [١] عباداللَّه الرحيل عن هذه لدار المقدور على أهلها الزوال ولا يغلبنكم فيها الأمل ولا يطولن عليكم فيها الأمد» [٢]
. إنّ الإنسان راحل عن هذه الدنيا شاء أم أبي، ومراد الإمام عليه السلام إرحلوا بعلم وعبرة واغتنموا الفرصة وسيروا على النهج بالعمل الصالح والخلق الرفيع والمعرفة باللَّه لتنالوا سعادة الآخرة والخلود في نعيمها. فقد نبه عليه السلام إلى الخطرين الكامنين في الطريق فقال:
«ولا يغلبنكم فيها الأمل ولا يطولن عليكم فيها الأمد»؛
الأمر الذي أرشد القرآن الكريم إليه بقوله: «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» [٣] ونؤكد مرة اخرى أنّ العبارات لاتفيد ترك الدنيا والرهبانية فيها وعدم الإكتراث إلى الحياة، بل تفيد عدم التعلق بزخا رف الدنيا والاغترار بها، وبعبارة اخرى فالمراد التعامل مع الدنيا كما هى، لا على أساس الوهم والخيال وما تمليه علينا أهوائنا وشهواتنا.
لا أحد يعتقد بالخلود في هذه الدنيا، فهى آيلة إلى الزوال والفناء وأنّ الإنسان سيودعها يوماً ليودع خده التراب في تلك الحفرة، إلّاأنّ زينة الدنيا وزبرجها قد تلقى بحجابها على هذا الواقع بحيث قد ينسى الإنسان الموت بالمرة، أو يتناسى تلك الحقيقة المرة، فينطلق في نشاطاته
[١] «أزمعوا» من مادة «زمع» بمعنى العزم على الشيىء، ولذلك قيل ان هذه المفردة قلبت من عزم أي نقلتفيها حرفي الزاء والميم من مكان إلى آخر، وقيل كانت في الأصل جمع ثم بدلت إلى زاء، والمفردات الثلاث (عزم وزمع وجمع) بمعنى واحد وهو التصميم والعزم على الشي.
[٢] «أمد» على وزن صمد أجل الشيوتأتي بمعنى الغضب، لأنّ صبر الإنسان ينفد حين الغضب.
[٣] سورة الحديد/ ١٦.