نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٦ - القسم الأول الدنيا الغرور
وفعالياته وكأنّه مخلد في الحياة الدنيا. وقد يطرح هذا الحجاب مؤقتا إذا ما مات أحدهم واشتركنا في مراسم تشييعه ودفنه لتتضح أمامنا الدنيا على حقيقتها، فاذا عدنا إلى حياتنا نسينا كل شي وعاد ذلك الحجاب، وكأنّ الموت لم يكتب علينا، وبالطبع فانّ هذا الكلام لا يصدق على أولياء اللَّه، فهم أرفع من أن تبعدهم هذه الحجب عن حقيقة الحياة والموت، فهم لا يرون الدنيا سوى قنطرة إلى الآخرة. والحق أنّ تحذير الإمام عليه السلام في هذه الخطبة من الدنيا لا يعني أبداً أنّه يحث الناس على مقاطعة الدنيا وتركها، كيف وهو يراها مقدمة للآخرة
«الدنيا مزرعة الآخرة»
. والطريف أنّ بعض الشعراء من أولياء اللَّه قد صوروا هذه الحقيقة في أشعارهم، ولا بأس هنا بالتعرض لهذه القضية.
فقد ورد في الحديث المعروف: سعي إلى المتوكل بعلي الهادي عليه السلام أنّ في منزله كتباً وسلاحاً من شيعته من أهل قم، وأنّه عازم على الوثوب بالدولة، فبعث إليه جماعة من الأتراك، فهجموا على داره ليلًا فلم يجدوا فيها شيئاً ووجده في بيت مغلق عليه، وعليه مدرعة من صوف، وهو جالس على الرمل والحصى هو متوجه إلى اللَّه تعالى يتلو آيات من القرآن، فحمل على حاله تلك إلى المتوكل وقالوا له: لم نجد في بيته شيئاً ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة، وكان المتوكل جالساً في مجلس الشرب، فدخل عليه والكأس في يد المتوكل، فلما رآه هابه وعظمه وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكأس التي كانت في يده فقال: واللَّه ما يخامر لحمي ودمي قط، فاعفني فاعفاه، فقال: أنشدني شعراً، فقال عليه السلام: إني قليل الرواية للشعر، فقال: لابدّ، فأنشده عليه السلام:
|
باتوا على قلل الاجبال تحرسهم |
غلب الرجال فلم تنفعهم القلل |
|
|
واستنزلوا بعد عزمن معاقلهم |
واسكنوا حفرا يابئس ما نزلوا |
|
|
ناداهم صارخ من بعد دفنهم |
أين الاساور والتيجان والحلل |
|
|
أين الوجوه التي كانت منعمة |
من دونها تضرب الاستار والكلل |
|
|
فافصح القبر عنهم حين ساءلهم |
تلك الوجوه عليها الدود يقتتل |
|
|
قد طالما أكلوا دهراً وقد شربوا |
وأصبحوا اليوم بعد الأكل قد اكلوا [١] |