نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧ - الرضا والتسليم أمام إرادة اللَّه
سوى سبيلين، إمّا الشعور بالإحباط واليأس والانسحاب من ميدان العمل والنشاط والتقوقع على الذات، أو اشتعال نيران الحسد والبغض في قلوبهم تجاه اولئك والهم بالانتقام منهم. من جانب آخر فإنَّ البعض الذي يتمتع بالإمكانات قد يصاب بالغرور والكبر والعجب والفخر فيندفع نحو الطغيان والفساد والانحراف.
الآيات القرآنية والروايات الإسلامية بدورها ودرءاً لهذه المفاسد والحيلولة دون ظهورها قد لفتت أنظار الجميع إلى حقيقة مفادها أنّ هذه الفوارق والزيادة والنقصان ليست مسألة عبثية بقدر ماهى واقع يستند إلى الحكمة الإلهية التي تنظم شؤون العباد على أساس ما يصلحهم ويقوم حياتهم. ولعل الأسرار التي يختزنها هذا التصنيف خافية علينا نحن العباد في أغلب الامور، إلّاأنّ مجرد علمنا بأنّ اللَّه حكيم ورحمن ورحيم هو الذي ينظم الامور وتتشعر قلوبنا الرضى والتسليم لهذا التنظيم والتخطيط؛ فإنَّ القضية ستتغير وتخرج من شكلها الظاهري، آنذاك ستسود السكينة والطمأنينة قلوبنا وأرواحنا وستزول كافة تلك العواقب السلبية التي بدت لنا لأول وهلة. ومن هنا تواتر التأكيد على الرضى والتسليم ولاسيّما بالنسبة للرزق في الآيات والروايات.
نعود الآن بعد هذه المقدمة المختصرة إلى تفسير الخطبة، فقد تطرق الإمام عليه السلام في بداية خطبته عن تهذيب النفوس ووضع حدّ للمفاسد الاجتماعية، فقد قال عليه السلام: «أمّا بعد: فان الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطرات المطر إلى كلّ نفس بما قسم لها، من زيادة أو نقصان» فالتشبيه بقطرات المطر تشبيه غاية في الروعة؛ لأنّ قطرات المطر تنزّل بصورة مختلفة على الأرض وفقاً للإرادة الإلهية والحكمة الربانية، والأرزاق الإلهية تسقط على هذه الشاكلة من السماء إلى البشرية على الأرض بفضل اللَّه ورحمته. فقد ينزّل المطر بغزارة على بعض المناطق حتى تسيل أنهاراً عظيمة بينما قد تشهد مناطق اخرى زخات خفيفة من المطر طيلة السنة. ثم يخلّص الإمام عليه السلام إلى هذه النتيجة التيينبغي أن يستحضرها الناس: «فاذا رأى أحدكم لأخيه غفيرة [١] في أهل أو مال أو نفس، فلا تكونن له فتنة».
[١] «غفيرة» من مادة «غفر» بمعنى الستر ومن هنا اطلقت المغفرة على ستر الذنوب كما تطلق على المال الكثير لتغطيته جزءاً واسعاً من الحياة، حتّى أنّه يستر العيوب أحياناً، ولذلك يقال للكثرة والزيادة غفيرة.