نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٥ - ٤- التقية وسيلة دفاعية
فهى مشهورة معروفة، فقد إضطر لتلك الكلمات، ثم أتى رسولاللَّه صلى الله عليه و آله باكياً خشية فساد دينه وإيمانه، فهدأه رسولاللَّه صلى الله عليه و آله في أنّ الاكراه هو الذي دفعه إلى ذلك فلا ضرر على دينه وأنّ اللَّه أنزل بحقه قرآناً: «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ» [١] «وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» [٢] النموزج الآخر للتقية ما ورد في سورة غافر بشأن مؤمن آل فرعون: «وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ» [٣] فالقرآن يثني على هذا المؤمن ويستحسن كلامه ويصرح برضى اللَّه بتقيته. كما تظافرت الروايات الإسلامية التي أكدت على أهمية التقية لتصفها بانّها تقي المؤمن مخاطر الأعداء وتحفظ دمه وأن التقى من الدين، ومن لا تقية له لا دين له، والإيمان بلا تقية كالجسد بلا رأس، وأنّها من أفضل الأعمال، ولا نرى البحث يتسع للخوض في التفاصيل، ومن أراد المزيد فليرجع إلى القاعدة السابعة من المجلد الأول لكتاب القواعد الفقهية. أضف إلى ذلك فانّ فلسفة التقية واضحة، وهى أنّ اظهار العقيدة الباطنية أحياناً قد يسبب بعض الأخطار على النفس والعرض والمال دون أن تترتب عليه أية فائدة، فالعقل يحكم بضرورة عدم إهدار القوى والطاقات عبثاً، ولابدّ من حفظها بواسطة التقية واستثمارها في المواقع المطلوبة. ولعل هذا هو المعنى المراد بوصفها بترس المؤمن أو جنة المؤمن. فالواقع هو أنّ التقية لا تعني الفرار من المسؤولية، بل هى أشبه بالتكتيك الحربي عن طريق الاستتار وإعادة تنظيم القوة واللجوء إليها في الوقت المناسب.
[١]- أجمع مفسرون الفريقين أنّ هذه الآية نزلت في عمار، وصحيح أن عمار اجبر على الكفر إلّاأنّه تظاهربأنّه تكلم من خلال الاعتقاد بذلك وأنّه رجع عن دين محمد ليتركوه ويحفظ دمه.
[٢] سورة النحل/ ١٠٦.
[٣] سورة غافر/ ٢٨.