نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٨ - القسم الثاني السعي القليل وإن كثر
بهديل [١] الحمام وجأرتم جؤار [٢] متبتلي [٣] الرهبان [٤] وخرجتم إلى اللَّه من الأموال والاولاد إلتماس القربة إليه في إرتفاع درجة عنده أو غفران سيئة أحصتها كتبه وحفظتها رسله لكان قليلا فيما أرجو لكم من ثوابه وأخاف عليكم من عقابه»
فقد إستعار الإمام عليه السلام ثلاثة تشبيهات للتضرع إلى اللَّه واستفراغ الجهد في الانقطاع إليه، التشبيه الأول: الصوت الذي تخرجه النوق الوالهة الفاقدة لأولادها، وهو الصوت الحزين الذي يرق له القلب حين سماعه، التشبيه الثاني: هديل الحمام حين إجتماعها، والهديل يطلق على فرخ الحمام كما يطلق على صوتها، وتعتقد العرب أنّ الهديل حمامة على عهد نوح عليه السلام بقيت وحدها وماتت عطشاً، ومنذ ذلك اليوم والحمام ينوح عليها، التشبيه الثالث: بكاء الرهبان المنقطعين عن الدينا القابعين في صومعاتهم، والذين ينوحون عند الطقوس الدينية وقد إشتد نياحهم بفعل إنقطاعهم عن الدنيا. ولم يكتف الإمام عليه السلام بهذا التضرع والنوح والبكاء فقال:
«وخرجتم إلى اللَّه من الأموال والاولاد»
أي ولو تركتم أموالكم وأولادكم من أجل القرب إلى اللَّه كان قليلًا.
والدليل واضح على ذلك فالدنيا وما فيها لاتعدل جناح بعوضة من الآخرة، وهى ليست سوى قطرة إلى بحر، ومن الطبيعي أنّ الإنسان لايخرج من ماله وولده ما لم يقف على هذا المعنى. وقد وردت هذه المقارنة بين الدنيا والآخرة في خطبة المتقين بقوله عليه السلام:
«صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة» [٥]
. جج
[١] «هديل» يطلق على الحمام كما يطلق أحياناً على نوحه وهو من الهدل على وزن العدل بمعنى الصوتالعذب.
[٢] جؤار له معنى مصدري وهو الصوت المرتفع المشوب بالتضرع والنجدة.
[٣] متبتل من مادة تبتل بمعنى الإنفصال والإعتزال وتطلق على الرهبان الذين يعتزلون المجتمع وينهمكون بالعبادة. ومن ألقاب الزهراء عليها السلام البتول لإنقطاعها إلى الله وأفضليتها على سائر النساء في الفضل والعلم والمعرفة. وورد في بعض الروايات أن التبتل هو رفع اليد بالدعا.
[٤] «رهبان» جمع «راهب» من مادة «رهب» على وزن رحم بمعنى الخوف، الخوف مع ضبط النفس والرهبانية تعني شدة العبودية وترك الدنيا، وهى بدعة ابتدعها طائفة من النصارى، حيث يقاطع الفتى اوالفتاة الزواج ويقبع في زاوية من الدير وينهمك بالعبادة، وقد ورد النهي عنها في الاسلام، فقد قال صلى الله عليه و آله: «لا رهبانية في الاسلام».
[٥] نهجالبلاغة، الخطبة ١٩٣.