نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٢ - ١- من أخبار يوم ذى قار
وفي إشارة إلى قيامه بوظيفته على أحسن وجه وبلائه الحسن قال «ما عجزت ولاجبنت» فمن البديهي أنّ الانسحاب إنّما يستند إلى الضعف والعجز أو الخوف والرعب، فقوله عليه السلام
«ما عجزت ولا جبنت»
يتضمن نفيه لعوامل الضعف والتقهقر.
ثم يربط عليه السلام هذه المقدمة بذي المقدمة فالإمام عليه السلام أشار إلى نقطة مهمّة وهى أنّ الامّة الإسلامية آنذاك بدأت تعود إلى الافكار والسنن الجاهلية وهى تبتعد كل يوم أكثر من ذي قبل عن مسيرة النبي صلى الله عليه و آله والقرآن والإسلام، ونموذج ذلك الحركة الظالمة لمشعلي نار الجمل من أجل الحصول على المناصب من خلال نكث البيعة وسفك دماء المسلمين.
فقد أراد الإمام عليه السلام الوقوف بوجه هذه العودة إلى الجاهلية وتجديد رسالته ووظيفته التاريخية في الحفاظ على المسيرة الإسلامية.
ومن هنا قال
«فلا نقبن [١] الباطل حتى يخرج الحق من جنبه.»
وبالالتفات إلى أن «أنقبن» من مادة «نقب» بمعنى ثقب الشئ وشقه، فانّ العبارة تشير إلى حقيقة هى أنّ الحق لايظهر ما لم تتبدد حجب الباطل، بعبارة اخرى فانّ الباطل يسعى على الدوام ليغطي على الحق وبكتمه، فاذا شقت حجب الباطل، تنفس نور الحق واتضح عياناً للجميع. ويمكن أن تكون العبارة إشارة الى قيام أساس العالم على الحق، وإنّ الحق كامن في باطن كل موجود، ولاسيما في الفطرة البشرية، بينما الباطل أمر عارض طارىء على الإنسان.
فاذا زال هذا العارض ظهر الحق من باطن الأشياء. وقد ورد مثل هذا المعنى في الخطبة ١٠٤
«وآيم الله لابقرن الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته».
تأمّلات
١- من أخبار يوم ذى قار
كما ورد في شرح الخطبة فان «ذي قار» موضع بين البصرة والكوفة شهد معركة قبل
[١] «أنقبن» من مادة «نقب» بمعنى الثقب والشق ويطلق النقب على الآبار تحت الأرض وذلك لأنها تنقبالأرض- ومنه البحث والتنقيب حين تأمل المطالب وإظهار الحقائق والنقيب العالم بحال القوم.