نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٠ - القسم الأول دحر الباطل
كما إحتمل البعض أن يكون المراد بذلك العرب الذين كانوا يشكلون الأكثرية وكانوا على الشرك والوثنية.
الإجابة الاخرى التي يمكن الرد بها على ذلك السؤال أنّ اليهود لم يكونوا من سكنة الجزيرة العربية بمعنى المواطنة، بل تفيد السير التأريخية أنّهم حين قرأوا في كتابهم البشارة بظهور نبي الإسلام وأنّ ظهوره بات وشيكا قدموا هناك لدركه، وإن شعروا في ما بعد بالخطر على مصالحهم فسلكوا سبيل النفاق وعادوا النبي صلى الله عليه و آله، النصارى أيضاً كانوا من المهاجرين ويشكلون الاقلية هناك.
على كل حال فانّ الإمام عليه السلام أشار إلى إبتعاد الأقوام الجاهلية عن أجواء الوحي والنبوة، الأمر الذي يصور مدى غرقهم في وحل الشرك والفساد.
ثم تطرق عليه السلام إلى الأوضاع التي بلغوها في ظل إنبثاق الدعوة والاستضاءة بنور الوحي وبزوغ شمس الإسلام
«فساق الناس حتى بوأهم محلتهم وبلغهم منجاتهم» [١]
فهو لم يخلصهم من الشرك والكفر و الانحراف العقائدي وينقذهم من الفساد الأخلاقي والظلم والجور وسوء العدل فحسب، بل أخذ بيدهم إلى حيث القوة والعزة والحكومة والحضارة والمدنية، ومن هنا قال عليه السلام
«فاستقامت قناتهم [٢] واطمأنت صفاتهم [٣]».
وعليه فقد ظفروا بالنصر المعنوي إلى جانب شمولهم بالنعم المادية و ما ذلك إلّاببركة النبي صلى الله عليه و آله ونزول القرآن الكريم والتعبير بمحلتهم إشارة إلى المنزلة الراقية التي ينبغي أن يبلغها الإنسان الفاضل، ومنجاتهم إشارة إلى نقطة النجاة التي ليس معها خوف وخشية ولا قستبطن سوى الفلاح والصلاح.
والعبارة «إستقات قناتهم» وعلى اضواء الاستقامة التي تعني الاستواء والثبات والقناة بمعنى الرمح تعني القوة والقدرة والانتصار على العدو.
[١] «بوأ» من مادة «بوء» بمعنى تعبيد المكان ضد النبوة بمعنى المرتفع وغير المعبد، وقد وردت هنا بمعنىتنظيم وترتيب موقع الاستقرار.
[٢] «قنات» من مادة «قنو» بمعنى جذع الشجرة، كما تغني العود والرمح، والمراد بها هنا القوة والغلبة والدولة، وقوله إستقامت قناتهم تمثيل لاستقامة أحوالهم.
[٣] «صفات»، حجر مستوي وكبير ومحكم وواسع.