نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٦ - القسم الثاني الرحيل الوشيك
والكهولة والفقر والغنى والهزيمة والانتصار والحرية والسجن وما إلى ذلك. ومن هنا نرى الأنبياء والأوصياء والأولياء لا ينفكون في حال من الأحوال عن التضرع إلى اللَّه والتوجه إليه. فالمتتبع لسيرة الإمام علي عليه السلام لا يرى في عبادته من تفاوت بين جلوسه في البيت حين زحزحت عنه الخلافة ونهوضه بالأمر وإدارته لشؤون البلاد الإسلامية، فالزهد والتهجد وإعانة الضعفاء والفقراء وطلاق الدنيا إلى غير رجعة كان من المعاني الواضحة في عبادة الإمام عليه السلام: ثم قال عليه السلام:
«ألا وإنّي لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها»
. لقد رأينا عدّة أفراد من الذين يعيشون الأرق ليالي حين يهمون ببعض الأسفار القريبة التي تدر عليهم بعض الأرباح والفوائد، فكيف ينام طالب الجنّة الباقية- النعمة التي لا تفوقها نعمة أو الخائف من نار جهنم التي لا يتصور عذابها وأن رؤيته غير سماعه- ولا يكترث لهذه الامور؟! ولعل ذلك يعزى إلى ضعف ايمان الفرد بالعالم الآخر، أو إلى سكر النعم والمنافع التي يتمتع بها في حياته، ومهما كان السبب فانّ الغفلة عن الآخرة لمن الظواهر المأساوية الاليمة التي ينبغي للإنسان التوقف عندها ومعالجتها. ولاشك أنّ من وظائف أئمة الدين وزعماء المسلمين ايقاظ الناس من غفلتهم وترسيخ دعائم ايمانهم ولفت أنظارهم إلى الدار الآخرة وتحذيرهم من الاغترار بالدنيا والذوبان فيها. وفي النقطة الثامنة يشير الإمام عليه السلام إلى مسألة ذات صلة بهذا الموضوع فيقول:
«ألا وإنّه من لا ينفعه الحق يضره الباطل، ومن لا يستقيم به الهدى، يجر به الضلال إلى الردى»
. طبعاً لا يتضح عمق هذا الكلام مالم نقف على التعريف الصحيح للحق والباطل. فالحق عبارة عن الواقعيات، سواء كان هذا الحق تكوينياً أم تشريعياً. ويراد بالحق التكويني واقعيات عالم الوجود، ويقابل ذلك الباطل المتمثل بالخيال والسراب الذي لا واقع له ولا وجود سوى في عالم التصور والوهم. أما الحق التشريعي فيتمثل بالقوانين والتعاليم الإلهية التي شرعت من أجل الفرد أو مجموعة الأفراد على ضوء المصالح والكفاءات الذاتية أو الاكتسابية، ويقابله الباطل الذي يتجسد بعرقلة القوانين والتمرد عليها باسم القانون وتضييع العدالة وسلب الحريات وذبحها بمرأى ومسمع من الناس. ومن البديهي أنّ من يولي ظهره للحق سواء على مستوى التشريع أو التكوين فانّه يقع في حبائل الباطل من قبل الوهم والخيال والسراب الذي يحسبه الظمآن ماء؛ الأمر الذي لا يرتقي بالإنسان إلى الشيء،