نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٠ - القسم الأول الرحمة اللامتناهية
أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» [١].
بل ورد في الحديث النبوي الشريف أنّ هذه الرحمة لمن السعة بحيث يتطاول عليها ويطمع بها حتى إبليس
«ليغفر اللَّه يوم القيامة مغفرة ما خطرت على قلب أحد حتى إبليس يتطاول اليها» [٢]
كما جاء في الرواية: «أنّ للَّه مئة رحمة وقد أنزل واحدة منها إلى الأرض وقسمها بين مخلوقاته، وإستأثر بتسع وتسعين إدخرها لعباده يوم القيامة» [٣]. ولما كانت هذه الامور تسوق الناس إلى العبادة، قال عليه السلام:
«ولا مستنكف [٤] عن عبادته»
وذلك لأنّ الاستنكاف عن العبادة لا يؤدي سوى إلى العذاب، فقد قال القرآن بهذا الخصوص «وَأَمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً» [٥]. ثم عد نعمتين اخريين عليه السلام فقال
«الذين لا تبرج منه رحمة، ولا تفقد له نعمة»
فقد تكررت الرحمة والنعمة وكأن السابقة أشارت إلى أصل الرحمة والنعمة الإلهية، بينما تحدثت العبارة اللاحقة عن دوام هذه النعمة وعدم إنقطاعها، وهذا ما ورد تأكيده في القران «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» [٦]. والطريف في الأمر أنّ هذين الوصفين في الواقع ذكرا كدليل على عدم استنكاف الناس عن عبادة اللَّه؛ الأمر الذي تناوله علم الكلام تحت عنوان
«شكر المنعم من دوافع معرفة اللَّه».
أمّا المفردات الرحمة والمغفرة والنعمة فهى وإن كانت مرتبطة مع بعضها إلّا أنّ مفاهيمها مستقلة، فللرحمة معنى واسع يشمل كل فضل ولطف من اللَّه للعباد سواء عن طريق إفاضة النعم أو مغفرة الذنوب، وبعبارة اخرى فانّ نسبة الرحمة إلى النعمة والمغفرة هى نسبة العموم والخصصوص المطلق، بينما لكل من النعمة والمغفرفة مفهوم منفصل عن الآخر، فالنعمة تختص بالإمكانات الوجودية التي تأخذ بيد الإنسان إلى السمو والكمال، أمّا المغفرة فهى إزالة آثار الذنب وتعبيد الطريق بعد إزالة العراقيل.
[١] سورة الزمر/ ٥٣.
[٢] في ظلال نهجالبلاغة ١/ ٢٢٦.
[٣] مجمع البيان ذيل تفسر بسم اللَّه الرحمن الرحيم من سورة الفاتحة.
[٤] «إستنكاف» من مادة «نكف» على وزن نظم بمعنى الابعاد، والانتكاف بمعنى الخروج من أرض إلىاخرى، والاستنكاف بمعنى الآباء والاعراض عن الشيء.
[٥] سورة النساء/ ١٧٣.
[٦] سورة النحل/ ١٨.