نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٥ - القسم الثالث الانفراد في مجابهة العدو
أمّا العبارة
«ما ضمت عليه جوانح صدره»
- بالالتفات إلى أن الجوانح جمع جانحة بمعنى الاضلاع- فالمراد بها القلب، وهدف الإمام من قوله
«ما ضمت عليه جوانح صدره»
بيان روحية جيش الكوفة ومدى عجزه. ثم يتطرق الإمام عليه السلام إلى نقطة مهمّة وأساسية يكشف فيها عن إتخاذه القرار الحاسم بشأن المستقبل وما يحمله من أحداث
«أنت فكن ذاك إن شئت فأمّا أنا فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه قراش [١] الهام، وتطيح [٢] السواعد والأقدام، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء».
وأمّا من المخاطب بقوله عليه السلام أنت فكن ذاك؟ هنالك احتمالان: الأول أن إنّما خاطب من يمكن عدود من نفسه كائنا من كان، غير معين ولا مخصص، والاحتمال الاخر أنّه خاطب بذلك الأشعث بن قيس، فانّه روى أنّه عليه السلام قال وهو يخطب ويلوم الناس على تثبيطهم وتقاعدهم:
هلًا فعلت فعل ابن عفان! فقال له:
«إن امراً مكن عدوه من نفسه، يعرق لحمه ويهشم عظمه ويفري جلده. أنت فكن ذاك ...»
فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام فصل نفسه عنهم بعد أن يأس منهم، فافهمهم أنكم إن آثرتم الاستسلام للعدو فسبيلي غير سبيلكم وليس للعدو عندي إلّا السيف وسأقاتله بمفردي، فلكل وظيفة وليس أنا من يتقاعس عن إداء وظيفته، فان تخليتم عن وظيفتكم ورضيتم لأنفسكم الذل والهوان والاستسلام للعدو وعرضتم البلد الإسلامي للدمار والابتزاز وخليتم وأهل الشام لينهبوا الأموال ويعتدوا على الاعراض، فليس لي إلّا أن أقاتلهم وحدي وأنا مستعد للشهادة التي لا أوثر عليها شيئاً ولن أشعر بالضعف أبداً. وكأنّ الإمام عليه السلام أراد أن بهذه الكلمات أن يشد أزر ذلك النزر اليسير من الأفراد الشجعان الذين لا يخلو منهم جيش الكوفة، كما يزيل الشك عن قلوب بعض المترددين ليلتحقوا به، ويرشد التأريخ إلى مدى الأثر الذي لعبه كلام الإمام عليه السلام فيهم. فقد شعروا بقوتهم من جديد وتأهبوا لمنازلة العدو.
[١] «قراش» جمع «قراشه» بعنى العظام الرقيقة التي تلي القحف أو عظام الجبهة والرأس، وهام جمع هامةبمعنى الرأس كما تطلق على زعيم القبيلة.
[٢] «تطيح» من مادة «طوح» بمعنى الهلاك أو الاشراف على الهلاك. ولما كان فصل اليد والرجل يشكل القضاء عليهم فقد اطلقت بهذا المعنى في العبارة المذكورة.