نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٧ - القسم الأول عوامل ضعف أهل الكوفة
القسم الأول: عوامل ضعف أهل الكوفة
«أَيُّها النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدانُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْواؤُهُمْ! كَلامُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصِّلابَ، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُفِيكُمُ الْأَعْداءَ! تَقُولُونَ فِي الْمَجالِسِ: كَيْتَ وَكَيْتَ، فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ: حِيدِي حَيَادِ! مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعاكُمْ، وَلا اسْتَراحَ قَلْبُ مَنْ قاساكُمْ، أَعالِيلُ بِأَضالِيلَ وَسَأَلْتُمُونِي التَّطْوِيلَ، دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُولِ».
الشرح والتفسير
ذكرنا سابقاً أنّ الخطبة القيت في ظروف عصيبة جدّاً، حيث شنت الغارات تلو الغارات على أهل العراق، جعلت الإمام عليه السلام يسعى جاهداً لا عداد الناس، إلّاأنّ الضعف والوهن كان قد بلغ مبلغه منهم بحيث لم تعد لهم من قوة تذكر، فلم يكن أمام الإمام عليه السلام من سبيل سوى اللجوء إلى آخر حربة من أجل تعبئتهم واستنفار طاقاتهم وهى توبيخهم وذمهم علهم يلتفتون إلى أنفسهم ويبصروا الأخطار التي كانت تتربص بهم.
فقد استهل الإمام عليه السلام خطبته بالتعرض إلى العامل الرئيسي الذي يقف وراء ذلك الضعف والذلة والهوان والذي يعزى إلى عدم الانسجام بين الأقوال والأفعال الذي يستند إلى ضعف الاعتقاد الباطني بالأهداف المقدسة النبيلة فقال عليه السلام:
«أيّها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم»
، أمّا كلامهم فقد كان شديد يخترق الصخور، أمّا أعمالهم فقد كانت هزيلة لا تنسجم وذلك الكلام
«كلامكم يوهي [١] الصم [٢] الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء»
.______________________________
(١) «يوهي» من مادة «وهى»، عناها صاحب المقاييس بالضعف ومن هنا يصطلح على الكلام الضعيفبالواهي. فالعبارة تعني أن كلامكم يضعف ويفتت.
(٢) «الصم» جمع «أصم» وهو من الحجارة الصلب المصمت، و «الصلاب» جمع صليب، والصليب الشديد.