نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١١ - ١- الاتباع الطلحاء والقادة الأكفاء
ميادين الحرب وأنا ابن العشرين وها أنا ذا أخوض غمارها وقد ناهزت الستين من عمري (وعليه فقد مارست تجربة ضخمة في الحروب كقائد لمدّة أربعين سنة) ولكن ماذا عساني أن أفعل وليس هنالك من يطيع
«لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت [١] على الستين! ولكن لا رأي لمن لا يطاع».
تأمّلات
١- الاتباع الطلحاء والقادة الأكفاء
لاشك أنّ معادلات الهزيمة والانتصار ليست عبثية، وأنّ اولئك الذين ينسبون النصر أو الهزيمة إلى بعض الأسباب المجهولة والعوامل الغامضة من قبيل المصادفة والحظ إنّما يسعون للقرار من الحقائق المريرة والابتعاد عن تحليلها والوقوف على كنهها. وعادة ما تذهب التحليلات إلى أنّ العامل الأصلي الذي يكمن وراء النصر والهزيمة إنّما يتمثل بقدرة القيادة وحكمتها في إدارة شؤون الأمُة، بينما تكون القضية معكوسة في بعض الحالات، فقد تتحلى القيادة بالقوة والاقتدار وارتفاع المعنوية والاحاطة بفنون الإدارة والتعامل مع الاحداث؛ الأمر الذي يفيد بما لا يقبل الشك أنّ العنصر الذي يقف وراء الهزيمة إنّما يتمثل بالاتباع الضعفاء الذين لا يتحلون بالارادة إلى جانب سذاجتهم وقلّة تجربتهم بما يجعل من المتعذر عليهم مواكبة قيادتهم في ادراك الأهداف فضلًا عن تطبيقها في الواقع، وهنا تتلاشى قدرة الزعيم الكفوء في ظل فساد وانحراف مثل هؤلاء الأتباع؛ الأمر الذي يؤرق فكر القائد ويقض مضجعه. وهذا هو السر في تلك الكلمات الشديدة التي أطلقها الإمام عليه السلام بحق أهل الكوفة، فقد بلغت الفرقة والشقاق والنفاق حداً جعل حتى أصحاب الإمام عليه السلام- فضلًا عن أعدائه- من اولئك الذين شهدوا بطولات الإمام عليه السلام وصولاته في الغزوات الإسلامية يتهمونه بعدم العلم بفنون القتال! فما كان منه عليه السلام إلّاأن ذكرهم بتأريخه المشرق ومواقفه المشهورة التي تنكفي فيها
[١] «ذرفت» من مادة «ذرف» بمعنى سيل الدمع، وقد وردت هنا بمعنى زدت على الستين.