نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٢ - ١- الاتباع الطلحاء والقادة الأكفاء
الأبطال؛ لقد نهضت بأمر القتال ولم أبلغ العشرين وقد ذرفت الآن على الستين، فكيف اتهم بعدم العلم بالحرب؟ نعم قد بليت باتباع بعيدين عن الانضباط من أهل الهوى والطيش الذين يتصرفون على ضوء ما تمليه عليهم أهوائهم، وعليه فليست هنالك من نتيجة سوى الهزيمة والفشل. وأفضل شاهد على ذلك النتيجة المريرة لمعركة صفين والخدعة التي عمد إليها معاوية وعمرو بن العاص في حمل المصاحف على أسنة الرماح، والأنكى من كل ذلك قضية التحكيم وترشيح أبي موسى الأشعري وفرضه على الإمام عليه السلام. فيكاد يجمع الجميع اليوم بما فيهم المحققون وغيرهم أنّ النصر أصبح قاب قوسين أو أدنى في صفين لولا حالة النفاق والفرقة والعصيان التي دبت في جيش الإمام عليه السلام ولما وقعت تلكالأحداث التي سود بها الأمويون وجه التأريخ ومن هنا تعتبر موقعة صفين من أقسى الأحداث التي شهدها التأريخ الإسلامي وبالذات سيرة الإمام علي عليه السلام. وليت ذلك الأمر اقتصر على زمان علي عليه السلام، بل مازال هنالك اليوم الكثير من الجهال الذين يشككون في السياسة الحربية لأمير المؤمنين عليه السلام وكيفية إدارة شؤون البلاد، وما هذا إلّادليل صارخ على عمق مظلومية الإمام عليه السلام، الإمام عليه السلام الذي جعل التأريخ يدين بالفضل لذلك العهد العظيم الذي عهده لعامله على مصر مالك الأشتر في كيفية إدارة شؤون البلاد، فما زالت مبادئه وأسسه قائمة فاعلة رغم مرور أربعة عشر قرناً عليه، ليكون ذلك العهد مصداقاً لقوله سبحانه «كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ* تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذنِ رَبِّها» [١]. فقد أذعن العدو والصديق لعمق الأصول والتعاليم التي أوردها الإمام عليه السلام في نهج البلاغة والتي تمثل عمق سياسة الإمام عليه السلام، مع ذلك ينبري هذا وذاك من الحين إلى الآخر لاتهام الإمام عليه السلام. وقد أشار الإمام عليه السلام في عدة مواضع إلى هذه الحقيقة المريرة المتمثلة بالغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق. فقد خطبهم عليه السلام بعد حادثة الأنبار وغارت أهل الشام قائلًا:
«واللَّه ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفونني غيركم إن كانت الرعايا قبلي لتشكوا حيف رعاتها وانني اليوم لأشكو حيف رعيتي كأنني المقود وهم القادة أو الموزوع وهم الوزعة» [٢]
. كما قال عليه السلام في موضع آخر:
«اريد أن أداوي بكم وأنتم دائي»
، ثم شكاهم عليه السلام بالقول:
«اللّهم قد ملت أطباء هذا الداء الدوي وكلت النزعة بأشطان
[١] سورة ابراهيم/ ٢٤- ٢٥.
[٢] نهج البلاغة، الكلمات القصار/ ٢٦١.