نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٨ - ١- الأحداث المريرة بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله
القذى [١] وشربت على الشجا [٢]، وصبرت على أخذ الكظم [٣] وعلى أمر من طعم العلقم [٤]».
تأمّلات
١- الأحداث المريرة بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله
تشبه هذه العبارات تلك التي وردت في الخطبة الثالثة المعروفة بالخطبة الشقشقية، بل هى أشد وقعاً منها، وتفيد أنّ الإمام عليه السلام قد قضى ساعات ولحظات غاية في المرارة إبان تلك السنين- ما يقارب خمس وعشرين سنة- التي قضاها بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله جليس الدار حين دفع عن حقّه في الخلافة.
ولم يكن تذمر الإمام عليه السلام كونه لم يتزعم الحكومة، فقد أعلن صراحة عن عدم إكتراثه لهذا الأمر وأشار كراراً إلى أن هذه الخلافة لا تساوي عنده شيء إلّاأن يقيم حقّاً أو يدحض باطلًا، فهى مسؤولية إلهية وليست وسيلة للفخر والمباهاة، وإنّما كان تذمره لأنّه كان يشهد تنصل الأمّة شيئاً فشيئاً عن الإسلام وابتعادها عن القيم واحيائها لسنن الجاهلية حتى حدث ماكان يخشى منه، فقد تسلم معاوية زمام امور الدولة الإسلامية وأصبحت خلافة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ملكية وراثية ليرثها من بعده ولده يزيد الذي ارتكب أفظع الجرائم والجنايات بحق المسلمين وتكشف عبارات الإمام عليه السلام عن مدى الدعايات الشديدة التي مارسها القائمين على شؤون الحكومة من جهة وتهديد الامّة وارعابها من جهة اخرى في إقصاءه عن حقه المسلم في الخلافة بحيث لم يكن معه من ينهض بالأمر سوى أهل بيته، فقد نقل المؤرخون عن الإمام عليه السلام أنّه قال:
«لو وجدت أربعين ذوي عزم لقاتلت» [٥]
والذي يستوحى من عباراته عليه السلام أنّ
[١] «قذى» على وزن قضا الصفاء والاخلاص، ومن هنا يطلق القذى على الشيء الذي يقع في الماء فيلوثه، كما يطلق على ما يقع في العين.
[٢] «شجا» من مادة «شجو» ما يعترض في الحلق من عظم أو نحوه، كما يطلق على الشدة والهم والغم.
[٣] «كظم» على وزن غضب من مادة «كظم». قال الراغب في المفردات الكظم بمعنى مخرج النفس، والكظوم بمعنى الاختناق وحبس النفس، كما تستعمل بمعنى ربط القربة بعد ملئها بالماء، ومعنى العبارة صبرت على الخناق رغم الضغط الذي مارسه العدو.
[٤] «العلقم»، قال صاحب مجمع البحرين هى شجرة شديدة المرارة، وتسمى الحنظل أيضاً، كما جاءت علقمة بمعنى المرة.
[٥] رواها نصر بن مزاحم عن الإمام عليه السلام؛ شرح نهج البلاغة، ابن ميثم ٢/ ٢٦، شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد ٢/ ٢٢.