نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٩ - ١- الأحداث المريرة بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله
المتحمسين لغصب الخلافة لم يكونوا يتورعون حتى عن سفك دماء أهل البيت عليهم السلام، وهذا ما أشار إليه الإمام عليه السلام بقوله:
«فضننت بهم عن الموت»
؛ الأمر الذي يبدو عجيباً ورهيباً للغاية، وان كانت مثل هذه الامور الأخلاقية ليست عجيبة في عالم السياسة والحكومة! كما يحتمل أن يكون أولئك المتعصبين للخلافة يتربصون الدوائر بذرية الإمام عليه السلام التي كانوا يرون أنّها ستتصدى للخلافة مستقبلًا، فهم يهمون بقتلهم لكي لا تبقى لأهل البيت من باقية تنهض بمسؤولية الخلافة.
أمّا السؤال عن مدى لوعة الإمام عليه السلام وشدة تلك الأيام التي كانت تمر عليه وهو جليس الدار، يتطلع بذهول لتلك الأفعال التي ارتكبت باسم الحكومة الإسلامية من قبيل تحريف العقائد والانحراف في فهم النصوص والأحكام الإسلامية وتضييع العدالة وبالتالي استبدال الحكومة الإسلامية بالملكية الوراثية كحكومة فرعون وقيصر وكسرى، فالإجابة عليه قد وردت في الخطبة الثانية والستين من نهج البلاغة التي قال فيها الإمام عليه السلام:
«أما بعد، فان اللَّه سبحانه بعث محمداً صلى الله عليه و آله نذيراً للعالمين، ومهيمناً على المرسلين، فلما مضى تنازع المسلمون الأمر من بعده، فو اللَّه ما كن يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه و آله عن أهل بيته، ولا أنّهم منحوه عني من بعده! فما راعني إلّاانثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه و آله، فخشيت إن لم أنصر الإسلام، وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولا يتكم التي إنّما هى متاع أيام قلائل، يزول منها ماكان، كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب؛ فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه»
فالإمام عليه السلام كان يشهد آنذاك مشكلتين خطيرتين؛ الاولى ذهاب حقه المسلم في الخلافة؛ الحق الذي أدى زواله إلى انحرافات عظيمة برزت على الساحة الإسلامية، والثانية تكمن في الخطر الذي كان محدقاً بالإسلام، والفرصة التي كان ينتظرها تيار النفاق من أجل الاجهاز عليه، فما كان منه عليه السلام إلّاأنّ يعمل بالقاعدة المنطقية العقلائية والشرعية في تقديم الأهم على المهم عند التزاحم، فسكت على مضض عن حقه في الخلافة حفاظاً على بيضة الإسلام.