نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٠ - فضاعة مظلومية الإمام عليه السلام
أن تكون كناية عن المشاكل الاجتماعية التي تعصف بحياتهم والعبارة «ولا بقى منكم آثر» واستناد إلى أنّ المقصود بالأثر الشخص الذي يأثر الحديث، أي يرويه، فكأنّه قال عليه السلام لابقي منكم مخبر وهلكتم بأجمعكم (طبعاً نقلت هذه المفردة بعدة صور ذات معان مختلفة سنعرض لها في شرح كلام السيد الرضي آخر الخطبة». ثم تساءل الإمام عليه السلام باستغراب عن ذلك الطلب المشين وهو من روّي شجرة الإسلام بجهاده العظيم ومواقفه المشهودة وشده أزر رسولاللَّه صلى الله عليه و آله، فهو أول من آمن وأسلم وهاجر، فهل لمثل هذا الفرد أن يضل وينحرف عن السبيل. ثم أشار عليه السلام إلى موضوعين، الأول دعاؤه عليهم
«فأبوا [١] شرمآب وارجعوا على أثر الاعقاب» [٢]
فقد دعا عليهم في العبارة الاولى سائلًا اللَّه لهم الذلة والهوان في الدنيا والآخرة، وفي العبارة الثانية سأل اللَّه أن يبتلهيم بما ابتلى به مشركي الجاهلية الذي كانوا على غرار الخوارج يرون آيات اللَّه ثم يجحدونها. وذهب بعض شرّاح نهجالبلاغة إلى أنّ قوله:
«ارجعوا ...»
أراد به توبوا، بينما تفيد قرينة هذا القول انه استمرار للدعاء السابق. والثاني نبوءته بمستقبلهم
«أما ارنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا وسيفاً قاطعاً وأثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة»
جدير بالذكر أنّ نبوء الإمام عليه السلام بحق الخوارج قد تحققت حيث ابيدوا في مختلف الحروب وتجرعوا الذل والهوان. وقد أفرد ابن أبي الحيدد فصلا أسماه أخبار الخوارج وذكر رجالهم وحروبهم ليخوض في تفاصيل أحداث زعمائهم وسنتطرق إلى ذلك في الأبحاث القادمة.
قال السيد الرضي (ره) شارحاً بعض مفردات الخطبة: قوله عليه السلام
«ولا بقى منكم آبر»
يروى على ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون كما ذكرناه: آبر بالراء، من قولهم للذي يأبر النخل- أي يصلحه- ويروى «آثر» وهو الذي يأثر الحديث ويرويه أي يحكيه، وهو أصح الوجوه عندي، كأنّه قال: لا بقي منكم مخبراً، ويروى آبز- بالزاي المعجمة- وهو الواثب. والهالك أيضاً يقال له «آبز».
اثرة اسم مصدر من مادة استئثار بمعنى الاستبداد.
[١] «أوبوا» من مادة «أوب» على وزن قوم بمعنى الرجوع، كما تطلق هذه المفردة على السحاب والرياح بسببالرجوع فيها.
[٢] أعقاب جمع عقب بمعنى كعب الرجل، كما تطلق على الأثر الذي يتركه على الأرض، وهى هنا كناية عنالأجيال السابقة.