نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦ - ٢- أهل الكوفة والإمام عليه السلام
الأفذاذ هم اولئك الذين يعتمدون أساليب التضليل والخداع والذين لا يتورعون عن التشبث بأخسّ الوسائل من أجل تحقيق أهدافهم وأطماعهم، في حين لا يرون من كفاءة وجدارة لُاولئك الأفراد من أهل الإيمان والورع والتقوى الذين لا يساومون على القيم والمبادئ، نعم للأسف مازال هذا الخطأ الفاحش هو الذي يسود بعض العقول والأفكار، وقد أدى إلى سلسلة من المفاسد السياسية والاجتماعية، بل ما أعظم الدماء البريئة التي سفكت على مدى التأريخ بسبب هذه النظرة الخاطئة على كلّ حال فإنّ الواقع هو غير ماذكر، فالعراق ولاسيما منطقة الكوفة إنّما سكنت من عدّة فئات وبمختلف الثقافات وقد تأثروا إلى حد بعيد بسياسة عثمان بما دفعهم للتكالب على الدنيا والاغترار بها وقد أصبحت السنن الخاطئة آنذاك من مفردات حياتهم اليومية (بما في ذلك التمييز في العطاء من بيت المال) حتّى كان أغلب زعماء القبائل يتوقعون المناصب والأموال الطائلة؛ الأمر الذي جعل معاوية ينجح في إستمالتهم فكانوا يتقاطرون على معاوية، الواحد تلو الآخر.
أضف إلى ذلك فقد كانت هنالك بعض الفوارق بين روحية أهل العراق والشام، منها أنّ أهل الشام كانوا يعرفون بالعمل، بينما كان العراقيون أهل كلام كما كان الشاميون يتحلّون بالانضباط الاجتماعي ولم يكن مثل هذا الانضباط سائداً لدى أهل العراق. وأخيراً كان أهل الشام أوفياء، بينما يمتاز أهل العراق بالغدر ونكث العهود.
وبالطبع فإنّ هذا الكلام لا ينسحب على أهل العراق في أىّ عصر وزمان غير زمان الإمام علي عليه السلام كعصر الإمام الحسن أو الحسين عليهما السلام. ومن هنا وردت روايات الأئمة المعصومين عليهم السلام التي تشيد بأهل العراق والكوفة. ولا غرابة أن تتّصف امّة ببعض الصفات السلبية في عصر من العصور، ثم تنسلخ عنها فتتحلى بصفات إيجابية.