نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨ - القسم الثاني سرّ الانهيار
فاقتلني معهما، حيث كان يعتبر ذلك الأعرابي أن قتلهما يعني تقصيره في أداء الأمانة. فما كان من بسر إلّاأن قتلهما وقتل هذا الأعرابي. [١]
على كل حال إطلع أمير المؤمنين علي عليه السلام على هذه الأخبار الأليمة فساءه ذلك فقال:
«أُنبئت بسراً قد اطَّلع [٢] اليمن وإني واللَّه لأظن أنّ هؤلاء القوم سيدالون [٣] منكم»
، ثم تطرق عليه السلام إلى علل هذه الدولة ليسلط الضوء على أربعة عناصر مهمّة تقف وراء النصر، فقال عليه السلام:
«باجتماعهم على باطلهم، وتفرّقكم عن حقّكم»
. فالاتحاد دعامة النصر ولاسيّما إذا سادت الوحدة أتباع الحق. ولكن يالها من مصيبة أن يتفرق دعاة الحق عن حقهم ويجتمع دعاة الباطل ويتحدون على باطلهم! رغم أنّ الباطل مصدر الخلاف والتشتت وأنّ الحق مركز الاخاء والوحدة. نعم فإنّ الوفاق والاتحاد لمن دوعي النصر والنجاح في كل عمل وإنّ الشقاق والفرقة لمن دواعي الهزيمة والفشل.
أمّا العنصر الثاني فيخلّص في الطاعة وإمتثال الأوامر التي كانت سائدة لأصحاب الباطل وعدم طاعة أهل الحق لإمامهم:
«وبمعصيتكم إمامكم في الحقّ، وطاعتهم إمامهم في الباطل»
. أجل فالانضباط والطاعة حيثما كانت إنّما تقود إلى النصر والغلبة. وليس لجيش ولا لُامّة أن تبلغ ما تريد دون رعايتها للانضباط وطاعتها لآمرها وزعيمها، ومن هنا ورد التأكيد في كافّة الدوائر والمؤسسات اليوم على مسألة الانضباط والالتزام بالمقررات.
العنصر الثالث يتمثّل بالأمانة والوفاء بالعهد والتي تقابلها الخيانة ونقض العهود ولاسيّما حيال الرؤساء والزعماء
«وبادائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم»
فأمانتهم إنّما دفعت بهم لتعبئة كافّة الإمكانات والطاقات ضد أعدائهم، في حين بددت خيانتكم هذه الطاقات وذهبت بها أدراج الرياح، وهل من مصير ينتظر من ضيع طاقاته وبدد إمكاناته سوى الهزيمة
[١] الكامل لابن أثير ٣/ ٣٨٣؛ تأريخ الطبري ٤/ ١٠٦، ١٠٨.
[٢] اطلع، تعني في الأصل النظر من الأعلى، واستعملت كناية عن النصر والغلبة المفاجاة، مادة «طلوع» بمعنىالظهور.
[٣] «يدالون» (فعل مضارع مجهول من باب الأفعال) من مدة دولة بمعنى الانتقال من مكان إلى آخر. ومن هنا اطلقت الدولة على المال والثروة التي تتداول بين الناس، والمراد بها في هذه العبارة سيغلبونكم وتكون لهم الدولة بدلكم.