نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٦ - عوامل قتل عثمان
على كل حال فانّ الخطبة تبين أنّ الإمام عليه السلام إذا لم ينصر عثمان فانه لم يكن وحيداً في هذا الأمر، بل كان هذا موقف كبار الصحابة، فلم الإشكال على الإمام عليه السلام؟ ثم إختتم الإمام عليه السلام خطبته بتحليل دقيق عن قتل عثمان، فقال عليه السلام:
«و أنا جامع لكم أمره، استأثر [١] فأساء الاثرة، و جزعتم فأسأتم الجزع، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع».
لقد صرح أحد الادباء العرب المشهورين بأنّ عبارات الإمام عليه السلام إتصفت بقلة الألفاظ وسعة المعاني، فالعبارة على قلّة لفظها جامعة شاملة حيث أوضح الإمام عليه السلام فيها أنّ عثمان إرتكب خطاً جسيماً وأنتم كذلك.
فقد انتهج اسلوب الاستبداد والحكم الفردي وسلط بني امية على رقاب الناس وأغدق عليهم بيت المال فلما تعالت أصوات المعارضة وقام المسلمون لم يعرهم آذانا صاغية، فحاصروه وهجموا عليه فتركه كبار الصحابة من الأنصار والمهاجرون، من جانب آخر فانّ الناس لم يكتفوا بهدا الحد، وبدلًا من خلعه من الخلافة وطرد أزلامه من مواقع الحكومة عمدوا إلى اراقة دمه فخلقوا فتنة إمتدت لسنوات في التأريخ الإسلامي، إلى جانب استغلالها من جانب المنافقين الذين تذرعوا بالمطالبة بدم عثمان ليسفكوا كثيرا من الدماء.
وبناءاً على ما تقدم فانّ الفريقين قد سلكوا الافراط، وعليه فانّ الله جازى كل منها بأعماله.
لقد كثر الكلام بشأن خلافة عثمان وآثارها: إلّاأنّ كلام الإمام عليه السلام ورغم قصر عباراته إلّا أنه أوجز كبد الحقيقة إلى جانب اصداره الحكم العادل بشأنه وشأن الجماهير التي قتلته.
كما يستفاد من العبارة أن الاستبداد- رغم إنّه سيئ مهما كان- على أنواع بعضها أسوأ من البعضى الآخر، واستبداد عثمان كان من النوع الاخير.
كما أنّ التعبير بالجزع عن الناس يشير إلى مدى الغضب والاستياء الذي سيطر على الناس إثر الأعمال الشائنة لعثمان وبطانته.
[١] «إستأثر» من مادة «اثر»، بمعنى الاستبداد كما صرح بذلك القاموس ومنه الحكومة الاستبدادية لأنّهاحكومة فردية، يستعبد فيها الفرد سائر الناس.