نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٢ - ١- ثاني فتن البصرة
فما فقدت بحضرتكم شيئاً إلّاهذا الدرهم، لا أجْبيه اليوم، فإن لم أجْبه اليوم أجْبِه غدا إن شاءاللَّه. واعلموا أنّ حربكم اليومَ معاوية أيسر عليكم في الدنيا والدين من حربكم أمس عليّاً، وقد قدم عليكم جارية بن قدامة، وإنّما أرسله عليّ ليصدَع أمرَ قومه، واللَّه ما هو بالأمير المطاع، ولو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أميرالمؤمنين أو لكان لي تبعاً، وأنتم الهامةُ العظمى، والجزمرة الحامية، فقدِّموه إلى قومه، فإ اضطر إلى نصركم فسيروا إليه، إن رأيتم ذلك.
فقام أبو صبرة شَيْمان فقال: يا زياد، إني واللَّه لو شهدتُ قومي يومَ الجمل، رجوتُ ألّا يقاتلوا علياً، وقد مضى الأمرُ با فيه. وهو يوم بيوم، أمْر بأمر، واللَّهُ إلى الجزاء بالإحسان أسرعُ منه إلى الجزاء بالسيّيء، والتوبة مع الحقّ، والعفْو مع الندم، ولو كانت هذه فتنة لدعونا القوم إلى إبطال الدماء، واستئناف الامور، ولكنها جماعة دماؤها حرام، وجرُوحها قصاص، ونحن معك نحبّ ما أحببتَ.
فعجب زياد من كلامه، وقال: ما أظنُّ في الناس مثل هذا.
ثم قام صبرة ابنه، فقال: إنا واللَّه ما أصِبْنا بمصيبة في دين ولا دنيا كما أصِبْنا أمس يوم الجمل، وانا لنرجوا اليوم أن نُمَحّص ذلك بطاعة اللَّه وطاعة أميرالمؤمنين، وأمّا أنْتَ يا زياد، فواللَّه ما أدركت أَمَلك فينا، ولا أدركْنَا أَملنا فيك دُون رَدّك إلى دارك، ونحن رادّوك إليها غداً إن شاءاللَّه تعالى، فإذا فعلنا فلايكن أحدٌ أَوْلَى بك مِنّا، فإنك إلا تفعل لم تأت ما يشبهك، وإِنا واللَّه نخاف من حرب عليّ في الآخرة، مالا نخاف من حرب معاوية في الدنيا، فقدّم هواك وأخِّر هوانا، فنحن معك وطوعك.
ثم قام خنقُر الحمانيّ، فقال: أيُّها الأمير، إنّك لو رضيت مِنّا بما ترضى به من غيرنا، لم نرض ذلك لأنفسنا، سِرْبنا إِلى القوم إن شئت، وايمُ اللَّه مالقينا قوماً قطّ إِلا اكتفينا بعفونا دون جَهْدنا؛ إلّا ما كان أمس.
قال إبراهيم: فأمّا جارية، فإنّه كلم قومه فلم يجيبوه، وخرج إليه منهم أوباشٌ فناوشوه بعد أنْ شتمه أسمعوه، فأرسل إلى زياد والأزْد، يستصرِخهم ويأمرهم أن يسيروا إليه، فسارت الأزْد بزياد، وخرج إليهم ابنُ الحضرميّ، على خيله عبداللَّه بن خازم السُّلميّ، فاقتتلوا ساعة، أقبل شريك بن الأعور الحارثيّ- وكان من شيعة عليّ عليهالسلام، وصديقا لجارية بن